أحمد بن علي القلقشندي
154
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وأصاب القرطاس ، ووقع على الطَّريق ، وأتى بالتّحقيق ؛ فلمّا رأيتهم في غمرتهم ساهون ، وفي ضلالتهم يعمهون ، ( 1 ) فناديتهم : إليّ فسارعوا ، ومنّي فاسمعوا ؛ فإنّي أنا ابن بجدتها ، وعالم ما تحت جلدتها ؛ ثم إنّي أبديت لهم سراره ، وأبقيت ناره ، وحللت عقده ، ومخضت زبده ، وأطرت لبده ، وبجست حجره ، وأبثثتهم عجره وبجره ، فقالوا : للَّه أبوك ! فإنّك أسبقنا إلى غاية ، وأكشفنا لغياية ، وأجلانا لشبهة ، وأضوأنا في بدهة ؛ وما أعلم اليوم على ظهرها من يقوم بعلم ما فيه ، ويطَّلع على خافيه . فأدركني الامتعاض ، وأخذني الانتفاض ، فأنشدته : من ظنّ أنّ عقول النّاس ناقصة وعقله زائد أزرى به الطَّمع ! وقلت له : ادّعيت ، فوق ما وعيت ؛ فأخبرني عن أوّل هذ البيت ، يا مجري الكميت ، وكيف ننشده : وعضّ بالفتح أو وعضّ بالضم ؟ فقال : كلاهما مرويّ ، فقلت : نبتديء بالفعل ثم نعود إلى الاسم يا ذا الإعجاب ، تهيّأ للسّائل في الجواب ، وأخبرني لم فتحت آخر الماضي ؟ فأسرع من غير التغاضي ، وقال : لأنّه مبنيّ عليه ، لا يضاف سواه إليه . فقلت : هذا جواب نعلمه ، ومن صبيان المكتب لا نعدمه ؛ وإنما ألتمس منك الفائدة فيها ، وأطلب كشف خافيها . فقال : ما جاء عن أمّة النّحاة ، وسائر الرّواة ، في هذا غير ما شرحته ، ولا زاد على ما أوضحته . فقلت : دع عنك هذا وأخبرني عن هذا البناء ، ألعلَّة أم لغيرها ؟ فأقبل يتردّد ويتزحزح ، ويتثاءب تارة ويتنحنح . فلما سدّ عليه من طريقه ، وحصل في مضيقه ، وغصّ بريقه ، قال : لا أعلم ! . فقالت الجماعة : أعذر إليك من ألقى سلاحه ، وغضّ جماحه ، ومن أدبر بعد إقباله ، عدل عن قتاله : والحقّ أبلج لا يحدّ سبيله والحقّ يعرفه ذوو الألباب !
--> ( 1 ) لعل الفاء زائدة .