أحمد بن علي القلقشندي
145
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وصرت إلى الدّيوان ، فوجدت قوما قد حفّهم الحسن وزانهم الإحسان ؛ فقلت : الحمد للَّه ! هؤلاء فتية ذاك الكهف بلا امتراء ، وأشبال ذاك الأسد من غير افتراء ؛ فجلست جلوس الغريب ، وأطرقت إطراق الكئيب ؛ إذ كنت في هذه الصّنعة عصاميّا لا عظاميّا ( 1 ) ، ومتهما لا تهاميّا ؛ غير أني تعلقت منها بحبال القمر ، واستوقدت نارها من أصغر الشّرر ؛ فتلقّوني بالرّحب ، وأحلَّوني من ديوانهم بالمكان الرّحب ، وقابلوني بالجميل قبل المعرفة ، وعاملوني بالإحسان والنّصفة . فلما رأيت ذلك منهم حمدت مسراي ، وشكرت مسعاي ، ودعوت لصاحبي أوّلا إذ حبّب صنعتهم إليّ وشاقني ، ودلَّني عليهم وساقني . ولما تحققت أني قد أثبتّ في ديوانه ، وكتبت من جملة غلمانه ، رجعت القهقرى عن طلب الكسب ، واستوى عندي المحل والخصب ، واكتفيت بنظري إليه عن الطَّعام والشّراب ، وتيقّنت أن نظرة منه إليّ ترقّيني إلى السّحاب ، وتلوت بلسان الصّدق على الملإ وهم يسمعون : * ( قُلْ بِفَضْلِ الله وبِرَحْمَتِه فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) * ( 2 ) . وفيما تضمّنته هذه المقامة من فضل الكتابة وشرف الكتّاب مقنع من غيرها ، ومغن عن سواها ، والحمد للَّه والمنّة . وهذه نسخة مقامة أنشأها أبو القاسم الخوارزميّ في لقائه لأديب يعرف بالهيتيّ ، وانقطاعه في البحث ، وغلبة الخوارزميّ له . أوردها ابن حمدون في « تذكرته » وهي : وصيّة لكلّ لبيب ، متيقّظ أريب ، عالم أديب ، يكره مواقف السّقطات ،
--> ( 1 ) العصاميّ من ساد بشرف نفسه ، ويقابله العظاميّ وهو من ساد بشرف آبائه . ( 2 ) يونس / 58 .