أحمد بن علي القلقشندي

146

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ويتحفّظ من مصادف الغلطات ، ويتلطَّف من مخزيات الفرطات ، أن يدّعي دون مقامه ، ويقتصر من تمامه ، ويغضّ من سهامه ، ويظهر بعض شكيمته ، ويساوم بأيسر قيمته ، ويستر كثيرا من بضاعته ، ويكتم دقيق صناعته ، ولا يبلغ دقيق غاية استطاعته ، وأن يعاشر الناس بصدق المناصحة ، وجميل المسامحة ، وأن لا يحمله الإعجال بما يحسنه ، على الازدراء بمن يستقرنه ، والافتراء على من يعترضه ويلسنه ، ليكون خبره أكثر من خبره ، ونظرته أروع من منظره ، ويكون أقرب من الاعتذار ، وأبعد من الخجلة والانكسار . فليس الفتى من قال : إنّي أنا الفتى ولكنّه من قيل : أنت كذلكا وكم مدّع ملكا بغير شهادة له خجلة إن قيل : أن لست مالكا ! ولقد نصرت بالاتّضاع ، على ذي نباهة وارتفاع ؛ وذلك أني أصعدت في بعض الأعوام ، مع جماعة من العوام ؛ بين تاجر وزائر ، إلى العزل والحائر ( 1 ) ، حتّى انتهينا إلى قرية شارعة ، آهلة زارعة ، وما منّا إلا من أملَّته السّمريّة ( 2 ) فاعترضته ، وأسقمته وأمرضته ، وفتّرته فقبضته ، وكثر منا الجؤار ، واستولى علينا الدّوار ، فخرجنا منها خروج المسجون ، وقد تقوّسنا تقوّس العرجون ، فاسترحنا بالصّعود ، من طول القعود : كأنّنا الطَّير من الأقفاص ناجية من أحبل القنّاص طيّبة الأنفس بالخلاص منفضات الرّيش والنّواصي ! فما استتمّت الرّاحة ، ولا استقرّت بنا الرّاحة ، حتى وقف علينا واقف ، وهتف بنا هاتف : أيّكم الخوارزميّ ؟ فقالوا له : ذلك الغلام المنفرد ، والشّابّ المستند ؛ فأقبل إليّ ، وسلَّم عليّ ، وقال : إن النّاظر يستزيرك ، فليعجّل إليه مصيرك ؛ فقمت معه ، يتقدّمني وأتبعه ، حتّى انتهى بي إلى جلَّة من

--> ( 1 ) العزل : ماء بين البصرة واليمامة . والحائر باليمامة . قال ياقوت : وهو حائر ملهم . قال : وقلهم وقرّان قريتان من قرى اليمامة . ( معجم البلدان : 2 / 208 ، 4 / 119 ، 5 / 195 ) . ( 2 ) لعلها « السّمرة » وهي ضرب من شجر الطلح .