أحمد بن علي القلقشندي
144
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فعند ذلك ذهب روعي ، وقوي روعي ( 1 ) ؛ وقلت : فهل له أتباع من الكتّاب فأتعلق بحبالهم ، وأتأسّى بهم في أقوالهم وأفعالهم ؟ لكي أتّسم بسمة الكتّاب ، وأثبت في جملة غلمان الباب ، قال : أجل ! رأس الدّست الشريف صنوه الكريم ، وقسيمه في حسبه الصّميم ؛ به شدّ عضده ، وقوي كتده ( 2 ) ، فاجتمع الفضل له ولأخيه ، وورثا سرّ أبيهما « والولد سرّ أبيه » ؛ ثم كتّاب ديوان الإنشاء جنده وأتباعه ، وأولياؤه وأشياعه ؛ وكتّاب الدّست منهم أرفع في المقام ( 3 ) ، وكتّاب الدّرج أجدر بالكتابة وصنعة الكلام . قلت : القسم الثاني أليق بمقداري ، وأقرب إلى أوطاري ؛ ثم ودّعت صاحبي شاكرا له على صنيعه وحامدا له على أدبه ، وتركته ومضيت وكان ذلك آخر العهد به ؛ ثم عدت إليه هو فرفعت إليه قصّتي ، وسألته الإسعاف بإجابة دعوتي ، فقابلها بالقبول ، وأنعم بالمسؤول ، وقرّرني في كتابة الدّرج الشّريف ، واكتفى بالعرف عن التّعريف ؛ وطابق الخبر الخبر ، واستغنيت بالعيان عن الأثر ؛ ثم قمت عجلا ، وأنشدت مرتجلا : إذا ما بنو الفاروق في المجد أعرقوا ، ونالوا بفضل اللَّه ما لا كمثله وجلَّت دجى الظَّلماء أنوار بدرهم ، وعمّت بقاع الأرض أنواء فضله تعالت ذرى العلياء فيهم وأنشدت : أبى الفضل إلَّا أن يكون لمثله ! ثم تشرفت بتقبيل يده ، ومضيت إلى ما أنا بصدده ؛ قد منعتني هيبتي من اللَّياذ به والقرب إليه ، وصيّرت عاطر مدحي وخالص أدعيتي وقفا عليه ؛
--> ( 1 ) أي قلبي . ( 2 ) الكتد : مجتمع الكتفين من الإنسان والفرس أو الكاهل . ( 3 ) ذلك أن كاتب الدّست يوقع على القصص التي يكتبها كاتب الدّرج ، وليس لكاتب الدّرج إذن بالتوقيع .