أحمد بن علي القلقشندي
135
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فتمسّكوا بأوتادها وتعلَّقوا بسببها ، والأمثال الغريبة التي انتقوها ، ودوّنوها ورووها ، واستيضاح القسمين واستكشاف غوامضهما ، واستظهار النّوعين واستمطار عوارضهما ، والاطَّلاع على خطب البلغاء ، ورسائل الفصحاء ، وما وقع لهم في مخاطباتهم ، ومكاتباتهم ، والعلم بأيّام العرب وحروبهم ، وما كان من الوقائع بين قبائلهم وشعوبهم ، والنّظر في التّواريخ وأخبار الدّول الماضية ، والقرون الخالية ، وسير الملوك وأحوال الممالك ، ومعرفة مكايدهم في الحرب المنقذة من المهاوي والمنجية من المهالك ، مع سعة الباع في اللَّغة التي هي رأس ماله ، وأسّ مقاله ، وكنزه المعدّ للإنفاق ، ومعينه بل مغيثه وقت الضّرورة على الإطلاق ، والنّحو الذي هو ملح كلامه ، ومسك ختامه ، والتّصريف الذي تعرف به أصول أبنية الكلمة وأحوالها ، وكيفيّة التّصرّف في أسمائها وأفعالها ، وعلوم المعاني والبيان والبديع التي هي حلية لسانه ، وآية بيانه ، ومعرفة أبوابها وفصولها ، وتحقيق فروعها وأصولها : من الفصاحة وطرائقها ، والبلاغة ودقائقها ، واختيار المعاني وترتيبها ، ونظم الألفاظ وتركيبها ، والفصل والوصل ومواقعهما ، والتّقديم والتّأخير ومواضعهما ؛ ومواطن الحذف والإضمار ، وحكم الرّوابط والأخبار ، وغير ذلك من الحقيقة والمجاز ، والبسط والإيجاز ، والحلّ والعقد ، وتمييز الكلام جيّده من رديّه بصحّة النّقد ، مع معرفة أنواع البديع وطرائقها ، والاطَّلاع على غوامض أسرارها وفرائد دقائقها . على أن آكد شيء يجب تحصيله قبل كلّ حاصل ، ويستوي في الاحتياج إلى معرفته المفضول من الكتّاب والفاضل ، العلم بالخطَّ وقوانينه : من الهجاء والنّقط والشّكل ، والفرق بين الضّاد والطَّاء المتخالفين في الصّورة والشّكل ، مع المعرفة بآلات الكتابة وصفاتها ، وتباين أنواعها واختلاف صفاتها . هذه أصوله التي يبنى عليها ، وقواعده التي يرجع إليها ؛ فإذا أحاط بهذه الفنون علما ، وأتقنها فهما ، غزرت عنده الموادّ ، واتّضحت له الجوادّ ،