أحمد بن علي القلقشندي

136

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فأخذ في الاستعداد ، وسهل عليه الاستشهاد ؛ فقال عن علم وتصرّف عن معرفة واستحسن ببرهان ، وانتقد بحجّة وتخيّر بدليل وصاغ بترتيب وبنى على أركان ، واتّسع في العبارة مجاله ، وفتح له من باب الأوصاف أقفاله ، وتلقّى كلّ واقعة بما يماثلها ، وقابل كلّ قضيّة بما يشاكلها ، وعلم المجيد فنسج على منواله ، وظهر له القاصر فأعرض عن أقواله ، وحصل له القوّة على فهم الخطاب ، وأنشأ الجواب بحسب الوقائع والأعراض ، على طبق المقاصد والأغراض ؛ ومتى أخلّ بشيء من ذلك فاتته الفضائل ، وعلقت به الرذائل ، وقلَّت بضاعته ، ونقصت صناعته ، وساءت آثاره ، وقبحت أخباره ؛ وخلط الغرر بالعرر ، ولم يميّز بين الصّدف والدّرر ، فأخرج الصّنعة عن أماكنها ، وطمس من الكتابة وجوه محاسنها ، فجرّ اللَّوم إلى نفسه ، وأمسى مهزأة لأبناء جنسه . ووراء ذلك علوم هي كالنافلة للكاتب ، والزّيادة للرّاغب : منها ما تكمل به صناعته ، وتعظم به مكانته : كعلم الكلام ، وأصول الفقه وسائر الأحكام ، والمنطق والجدل ، وأحوال الفرق والنّحل والملل ، وعلم العروض والميزان المحكم ، وعلم القوافي وحلّ المترجم ؛ والحساب المفتوح وما يترتّب عليه من المعاملة ، وما تستخرج به المجهولات : من حساب الخطأين والدّرهم والدّينار والجبر والمقابلة ، وحساب الدّور والوصايا ، والتّخت والميل وما لأعماله على غيرها من المزايا ، والعلم بالفلاحة ، وأحوال المساحة ، وعلم عقود الأبنية والمناظر المحقّقة ، ومراكز الأثقال والمرايا المحرقة ، وعلم جرّ الأثقال الأبيّة ، والعلم بالآلات الحربيّة ، وعلم المواقيت والبنكامات ( 1 ) ، والتّقاويم

--> ( 1 ) لفظ « بنكام » فارسي معرّب ، أصله « بنكان » وهو الفنجان أو القدح عموما ، وخصّه صاحب الصحاح بزجاج الساعات الرملية . وعلم البنكامات هو العلم الذي يدرس الآلات التي تعرف بواسطتها المواقيت ، دون النظر إلى حركات الكواكب . والبنكامات منها الرملية ، ومنها المائية ، ومنها الدورية المعمولة بالدواليب يدير بعضها بعضا . وفي أيامنا هو علم صناعة « الساعات » التي تحدد المواقيت . ( انظر كشف الظنون : 1 / 255 ، وتأصيل الدخيل : 160 والأعلاق الخطيرة : 3 / 866 - حاشية عن الألفاظ الفارسية المعربة ) .