أحمد بن علي القلقشندي

134

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

تلك المكارم لا قعبان ( 1 ) من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ! فقلت : الآن قد انقطعت الحجّة ، وبانت المحجّة ، فما الذي يحتاج كاتب الإنشاء إلى ممارسته ؟ فقال : إذا قد تعلَّقت من الصّنعة بأسبابها ، وأتيت البيوت من أبوابها . اعلم أن كاتب الإنشاء لا تظهر فصاحته ، وتبين بلاغته ، وتقوى يراعته ، وتجلّ براعته ، إلا بعد تحصيل جملة من العلوم ، ومعرفة الاصطلاح والإحاطة بالرّسوم ؛ ثم أهمّ ما يبدأ بتحصيله ، ويعتمد عليه في جملة الأمر وتفصيله ، حفظ كتاب اللَّه العزيز الذي هو معدن الفصاحة ، وعنصر البلاغة ، وإدامة قراءته وتكرير مثانيه ، مع العلم بتفسيره وتدبّر معانيه ، حتّى لا يزال دائرا على لسانه حاضرا في ذكره ، ولا يبرح معناه ممثّلا في قلبه مصوّرا في فكره ، ليكون مستحضرا له في الوقائع التي يحتاج إلى الاستشهاد به فيها ، ويضطرّ إلى إقامة الأدلَّة القاطعة عليها ، فللَّه الحجّة البالغة ، ولآياته الأجوبة الدّامغة ؛ خصوصا السّير والأحكام ، وما يتعلَّق بذلك من مهمّات الدّين وقواعد الإسلام ، وما اشتمل عليه كلام النّبوّة من الألفاظ البديعة التي أبكمت الفصحاء ، والمعاني الدّقيقة التي أعيت البلغاء ؛ مع النّظر في معانيها ومعرفة غريبها ، والاطَّلاع على ما للعلماء في ذلك من الأقوال بعيدها وقريبها ، لتكون أبدا حجّته ظاهرة ، وأدلَّته قويّة متظاهرة ؛ فإنّ الدّليل إذا استند إلى النّصّ انقطع النّزاع وسلَّم المدّعى ولزم ؛ والفصاحة والبلاغة غايتهما - بعد كتاب اللَّه تعالى - في كلام من أوتي جوامع الكلم ؛ والعلم بالأحكام السّلطانيّة وفروعها ، وخصوصها وشيوعها ، والتّوغَّل في أشعار العرب والمولَّدين ، وأهل الصّناعة من المحدثين ، وما ورد عن كلّ فريق منهم من الأمثال نثرا ونظما ، وما جرى بينهم من المحاورات والمناقضات حربا وسلما ؛ والتّعويل من ذلك على الأشعار البديعة التي اختارها العلماء بها ،

--> ( 1 ) القعب : القدح الضخم .