أحمد بن علي القلقشندي
95
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
واتسعت على أهل الدين خروقه ، وكانت الحجة للَّه قائمة ، وهمم القادرين بالقعود آثمة ؛ وإنا لا نتمكن بمصر منه مع بعد المسافة ، وانقطاع العمارة وكلال الدواب ، وإذا جاورناه كانت المصلحة بادية ، والمنفعة جامعة ، واليد قادرة ، والبلاد قريبة ، والغزوة ممكنة ، والميرة متسعة والخيل مستريحة ، والعساكر كثيرة ، والجموع متيسرة ، والأوقات مساعدة ؛ وأصلحنا ما في الشام من عقائد معتلَّة ، وأمور مختلَّة ؛ وآراء فاسدة ، وأمراء متحاسدة ، وأطماع غالبة ، وعقول غائبة ، وحفظنا الولد القائم بعد أبيه ، وكفلناه كفالة من يقضي الحقّ ويوفيه ؛ فإنّا به أولى من قوم يأكلون الدنيا باسمه ، ويظهرون الوفاء بخدمه وهم عاملون بظلمه ، والمراد الآن هو كل ما يقوّي الدولة ، ويؤكَّد الدعوة ، ويجمع الأمة ، ويحفظ الألفة ، ويضمن الزّلفة ، ويفتح بقيّة البلاد ، ويطبّق بالاسم العبّاسيّ كلّ ما تخطئه العهاد - ونحن نقترح على الأحكام المعهودة ، وننتظر أن يأتي الإنعام على الغايات المزيدة ؛ وهو تقليد جامع لمصر والمغرب واليمن والشام ، وكلّ ما تشتمل عليه الولاية النّورية ، وكل ما يفتحه اللَّه للدولة بسيوفنا وسيوف عساكرنا ، ولمن نقيمه من أخ وولد من بعدنا ، تقليدا يضمن للنّعمة تخليدا ، وللدّعوة تجديدا ، مع ما ينعم به من السّمات التي يقتضيها الملك ؛ فإنّ الإمارة اليوم بحسن نيّتنا في الخدمة تصرّف بأقلامنا ، وتستفاد من تحت أعلامنا ، ويتبيّن أنّ أمراء الدولة النّورية يحتاج إليهم في فتح البلاد القدسية ضرورة : لأنها منازل العساكر ، ومجمع الأنفار والعشائر ؛ فمتى لم يكن عليهم يد حاكمة ، وفيهم كلمة نافذة ، منعهم ولاة البلاد ، وبغاة العناد . وبالجملة فالشام لا ينتظم أمره بمن فيه ، وفتح بيت المقدس ليس له قرن يقوم به ويكفيه ؛ والفرنج فهم يعرفون منا خصما لا يملّ الشرّ حتّى يملَّوا ، وقرنا لا يزال يحرّم السيف حتّى يحلَّوا ، حتى إنا لمّا جاورناهم في هذا الأمد القريب ، وعلموا أنّ المصحف قد جاء بأيدينا يخاصم الصليب ، استشعروا بفراق بلادهم ، وتهادوا التعازي لأرواحهم بأجسادهم ؛ وإذا سدّد رأينا حسن الرأي ضربنا بسيف يقطع في غمده ، وبلغنا المنى بمشيئة اللَّه ويد كلّ مسلم تحت برده ، واستنقذنا أسيرا من المسجد الذي أسرى اللَّه إليه بعبده .