أحمد بن علي القلقشندي

90

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الصّليب ، والقراع الذي ينادى به من مكان قريب ، ونحن نقاتل العدوّين ( 1 ) : الباطن والظاهر ، ونصابر الضّدّين : المنافق والكافر ، حتّى أتى اللَّه بأمره ، وأيّدنا بنصره ، وخابت المطامع من المصريّين ومن الفرنج ومن ملك الرّوم ومن الجنويّين وأجناس الرّوم لأن أنفارهم تنافرت ، ونصاراهم تناصرت ، وأناجيل طواغيتهم رفعت ، وصلب صلبوتهم أخرجت ، وشرعنا في تلك الطوائف من الأجناد والسّودان والأرمن فأخرجناهم من القاهرة تارة بالأوامر المرهقة لهم ، وبالذّنوب الفاضحة منهم ، وبالسّيوف المجرّدة وبالنار المحرقة ، حتّى بقي القصر ومن به من خدمه قد تفرّقت شيعه ، وتمزّقت بدعه ، وخفتت دعوته ، وخفيت ضلالته ؛ فهنالك تمّت لنا إقامة الكلمة والجهر بالخطبة والرفع للواء السّواد الأعظم ، والجمع لكلمة السّواد الأعظم ، وعاجل اللَّه الطاغية الأكبر بفنائه ، وبرّأنا من عهدة يمين كان حنثها أيسر من إثم إبقائه ، إلا أنه عوجل لفرط روعته ، ووافق هلاك شخصه هلاك دولته . ولما خلا ذرعنا ، ورحب وسعنا ، نظرنا في الغزوات إلى بلاد الكفّار ، فلم تخرج سنة إلا عن سنّة أقيمت فيها برّا وبحرا ، ومركبا وظهرا ، إلى أن أوسعناهم قتلا وأسرا ، وملكنا رقابهم قهرا وقسرا ، وفتحنا لهم معاقل ما خطر أهل الإسلام فيها منذ أخذت من أيديهم ، وما أوجفت فيها خيلهم ولا ركابهم مذ ملكها أعاديهم ؛ فمنها ما حكمت فيه يد الخراب ، ومنها ما استولت عليه يد الاكتساب ، ومنها قلعة بثغر أيلة ( 2 ) كان العدوّ قد بناها في بحر الهند ، وهو المسلوك منه إلى

--> ( 1 ) بعد موت شيركوه خلفه في الوزارة صلاح الدين . ولكنّ الجوّ لم يخل له إذ قامت عدة حركات داخلية بهدف إحياء الدولة الفاطمية ؛ وقد تمثل هذا في ثورة مؤتمن الخلافة سنة 564 ه حيث قدم الفرنج لمساعدة الثائرين فهاجموا دمياط في صفر 565 ه ، وثورة عمارة اليمني سنة 569 ه التي أعقبها هجوم الفرنج على الإسكندرية في ذي الحجة 569 ه . وقد تمكن صلاح الدين من القضاء على المؤامرتين وصد غزوتي الفرنج على كل من دمياط والإسكندرية ، والتي أسهم فيهما الجنويّون والبيازنة بنصيب ملموس . ويمكننا الاستنتاج أن العدوّين اللذين أشار إليهما صلاح الدين في كتابه هما : إفرنج الشام وبقايا الفاطميين بمصر . ( القلقشندي وكتابه صبح الأعشى : ص 172 - 173 - وشذرات الذهب : 4 / 214 - وخطط المقريزي : 1 / 53 ) . ( 2 ) أيلة : مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام . ( معجم البلدان : 1 / 293 ) .