أحمد بن علي القلقشندي
91
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الحرمين واليمن ، وغزا ساحل الحرم فسبى منه خلقا ، وخرق الكفر في هذا الجانب خرقا ، فكادت القبلة أن يستولى على أصلها ، ومساجد اللَّه أن يسكنها غير أهلها ، ومقام الخليل صلوات اللَّه عليه أن يقوم به من ناره غير برد وسلام ، ومضجع الرسول شرّفه اللَّه أن يتطرّقه من لا يدين بما جاء به من الإسلام ، ففتح اللَّه هذه القلعة وصارت معقلا للجهاد ، وموئلا لسفّار البلاد ، وغيرهم من عبّاد العباد ؛ فلو شرح ما تمّ بها للمسلمين من الأثر الجليل ، وما استدّ من خلَّاتهم ، وأحرق من زروع المشركين ورعي من غلَّاتهم ، إلى أن ضعفت ثغورهم ، واختلَّت أمورهم ، لاحتيج فيه إلى زمن يشغل عن المهمات الشريفة لسماع مورده ، وإيضاح مقصده . وكان باليمن ما علم من ابن مهديّ ( 1 ) الضالّ وله آثار في الإسلام ، وثار طالبه النبيّ عليه الصلاة والسلام ، لأنه سبى الشرائف الصالحات وباعهنّ بالثمن البخس ، واستباح منهن كلّ ما لا تقرّ عليه نفس ، وكان ببدعه دعا إلى قبر أبيه وسمّاه كعبة ، وأخذ أموال الرعايا المعصومة وأجاحها ، وأحلّ الفروج المحرّمة وأباحها ، فأنهضنا إليه أخانا بعسكرنا بعد أن تكلَّفنا له نفقات واسعة ، وأسلحة رائعة ، وسار فأخذناه وللَّه الحمد ، وأنجح اللَّه فيه القصد ، ووردتنا كتب عساكرنا وأمرائنا بما نفذ في ابن مهديّ وبلاده المفتتحة ومعاقله المستضافة ؛ والكلمة هنالك بمشيئة اللَّه إلى الهند سارية ، وإلى ما لم يفتضّ الإسلام عذرته مذ أقام اللَّه كلمته متمادية .
--> ( 1 ) هو عبد النبي بن علي بن مهدي الحميري : صاحب زبيد . وليها استقلالا بعد موت أخيه مهدي سنة 559 ه . اجتمع له ملك الجبال والتهائم ، وانتقلت إليه جميع أموال اليمن وذخائرها . وفي « مفرّج الكروب » : 238 - 243 أن عبد النبي بعد استيلائه على زبيد ، قطع الخطبة العباسية وخطب لنفسه ، فسار الملك المعظم توران شاه ، أخو صلاح الدين ، من مصر فدخل زبيدا وأسر ابن مهدي واستخرج ما عنده من الأموال وأخذه معه إلى عدن ، ثم عاد وهو معه إلى زبيد ، فمات في أسره . وفي « مرآة الجنان » أن أباه كان قد استولى على اليمن فظلم وغشم وذبح الأطفال وكان باطنيا من دعاة المصريين بني عبيد ، وهلك سنة 566 ه فقام بعده ولده المذكور فاستباح الحرائر وتمرد على اللَّه فقتله شمس الدولة ، أول من ملك اليمن من بني أيوب . وفي الأعلام أن وفاته كانت سنة 570 ه . ( انظر الأعلام : 4 / 171 - وحاشية نفس الصفحة ) .