أحمد بن علي القلقشندي

89

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ملكهم داخلا ، ووصلنا البلاد وبها أجناد عددهم كثير ، وسوادهم كبير ، وأموالهم واسعة ، وكلمتهم جامعة ، وهم على حرب الإسلام أقدر منهم على حرب الكفر ، والحيلة في السّرّ منهم أنفذ من العزيمة في الجهر . وبها راجل من السّودان ( 1 ) يزيد على مائة ألف رجل كلهم أغتام ( 2 ) أعجام ، إن هم إلا كالأنعام ، لا يعرفون ربّا إلا ساكن قصره ، ولا قبلة إلا ما يتوجّهون إليه من ركنه . وبها عسكر من الأرمن باقون على النّصرانية موضوعة عنهم الجزية كانت لهم شوكة وشكَّة ، وحميّة وحمة ، ولهم حواش لقصرهم من بين داع تلطف في الضّلال مداخله ، وتصيب العقول مخاتله ، ومن بين كتّاب أقلامهم تفعل أفعال الأسل ، وخدّام يجمعون إلى سواد الوجوه سواد النّحل ، ودولة قد كبر عليها الصغير ، ولم يعرف غيرها الكبير ، ومهابة تمنع خطرات الضمير ، فكيف لحظات التدبير . هذا إلى استباحة للمحارم ظاهرة ، وتعطيل للفرائض على عادة جارية ، وتحريف للشّريعة بالتأويل ، وعدول إلى غير مراد اللَّه في التنزيل ، وكفر سمّي بغير اسمه ، وشرع يتستّر به ويحكم بغير حكمه . فما زلنا نسحتهم سحت المبارد للشّفار ، ونتحيّفهم تحيّف الليل والنهار للأعمار ، بعجائب تدبير ، لا تحتملها المساطير ، وغرائب تقرير ، لا تحملها الأساطير ، ولطف توصّل ما كان في حيلة البشر ولا قدرتهم إلا إعانة المقادير ، وفي أثناء ذلك استنجدوا علينا الفرنج دفعة إلى بلبيس ، ودفعة إلى دمياط ، في كل منهما وصلوا بالعدوّ المجهر ، والحشد الأوفر ، وخصوصا في نوبة دمياط فإنهم نازلوها بحرا في ألف مركب مقاتل وحامل ، وبرّا في مائتي ألف فارس وراجل ، وحصروها شهرين يباكرونها ويراوحونها ، ويماسونها ويصابحونها ، القتال الذي يصليه

--> ( 1 ) وكان يقال لهم العبيد . وسوف تكون وقعة كبيرة بين هؤلاء العبيد السودان وبين الغزّ أنصار صلاح الدين فتكون الغلبة للغزّ وبها ينتهي حكم الفاطميين . ( انظر الخطط التوفيقية : 1 / 63 - 64 ) . ( 2 ) غتم غتما وغتمة : لم يفصح لعجمة في منطقه ؛ فهو أغتم . جمع غتم وأغتام .