أحمد بن علي القلقشندي
88
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فسمت هممنا دون همم ملوك الأرض إلى أن نستفتح مقفلها ونسترجع للإسلام شاردها ونعيد على الدّين ضالَّته منها فسرنا إليها بعساكر ضخمة ، وجموع جمّة ، وبأموال انتهكت الموجود ، وبلغت منّا المجهود ، وأنفقناها من خالص ذممنا وكسب أيدينا ، ومن أسارى الفرنج الواقعين في قبضتنا ، فعرضت عوارض منعت ، وتوجّهت للمصريين حيل باستنجاد الفرنج ( 1 ) تمّت : ولكلّ أجل كتاب ، ولكلّ أمل باب . وكان في تقدير اللَّه سبحانه أنّا نملكها على الوجه الأحسن ، وناخذها بالحكم الأقوى الأمكن ، فغدر الفرنج بالمصريين غدرة في هدنة عظم خطبها وخبطها ، وعلم أنّ استئصال كلمة الإسلام محطَّها ، وكاتبنا المسلمون من مصر في ذلك الزمان ، كما كاتبنا المسلمون من الشام في هذا الأوان ، بأنّا إن لم ندرك الأمر وإلا خرج من اليد ، وإن لم ندفع غريم اليوم لم يمهل إلى الغد ؛ فسرنا بالعساكر الموجودة والأمراء الأهل المعروفة إلى بلاد قد تمهّد لنا بها أمران ، وتقرّر لنا فيها في القلوب ودّان : الأوّل لما علموه من إيثارنا المذهب الأقوم ( 2 ) ، وإحياء الحقّ الأقدم ، والآخر لما يرجونه من فكّ إسارهم ، وإقالة عثارهم ؛ ففعل اللَّه ما هو أهله ، وجاء الخبر إلى العدوّ فانقطع حبله ، وضاقت به سبله ، وأفرج عن الديار بعد أن كانت ضياعها ورساتيقها وبلادها وإقليمها قد نفذت فيها أوامره ، وخفقت عليها صلبانه ، وأمن من أن يسترجع ما كان بأيديهم حاصلا ، وأن يستنقذ ما صار في
--> ( 1 ) يشير هنا إلى استنجاد الوزير الفاطمي شاور بن مجير السعدي بملك الإفرنج « أموري » حاكم بيت المقدس اللاتيني ليعينه على أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح اللذين أرسلهما نور الدين محمود لحصار القاهرة وانتزاعها من شاور . وعلى الرغم من أن القلقشندي لم يحدد تاريخ إرسال هذه التذكرة ، إلا أنه من المحتمل حسب تسلسل الأحداث أن تكون بعد سنة 569 ه بقليل ، وهي السنة التي مات فيها السلطان نور الدين محمود وخلفه في الحكم ابنه الصالح إسماعيل . ( الخطط التوفيقية الجديدة : 1 / 61 - 62 - والقلقشندي وكتابه صبح الأعشى : ص 157 ) . ( 2 ) يقصد بذلك مذهب السنّة مقابل مذهب الفاطميين . وقد تسنّى لصلاح الدين بعد موت العاضد القضاء على الدولة الفاطمية ومذهبها وإقامة الدولة الكردية والدعاء للخلافة العباسية ببغداد ، وتبنّي المذهب الشافعي بشكل أساسي .