أحمد بن علي القلقشندي

76

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

خرجت الأوامر الصّلاحيّة بكتب هذا المنشور وتلاوة مودعه بحيث يستمرّ ، ونسخه في الدّواوين بحيث يستقرّ ؛ ومضمونه : إنّ نظرنا لم يزل تتجلَّى له الجلائل والدقائق ، ويتوخّى من الحسنات ما تسير به الحقائب والحقائق ، ويخلَّد من الأخبار المشروعة ، كلّ عذب الطرائق رائق ، ويجدّد من الآثار المتبوعة ، ما هو بثناء الخلائق لائق ، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الخير إلا جهدنا أن نكتسبها ، ولا يثوّب بنا الداعي إلى مثوبة إلا رأينا أن نحتسبها ، لا سيّما ما يكون للسنين الماضية ممضيا ، وإلى القضايا العادلة مفضيا ، ولمحاسن الشريعة مجلَّيا ، ولعوارض الشّبه رافعا ، ولتناقض الخبر دافعا ، ولأبواب المعاملات حافظا ، ولأسباب المغالطات لافظا ، وللخواطر من أمراض الشّكوك مصحّحا ، وعن حقائق اليقين مفصحا ، وللأسماع من طيف الاختلاف معفيا ، ولغاية الإشكال من طرق الأفهام معفّيا . ولما استهلَّت سنة كذا الهلالية ، وقد تباعد ما بينها وبين السنة الخراجية إلى أن صارت غلَّاتها منسوبة إلى ما قبلها ، وفي ذلك ما فيه : من أخذ الدّرهم المنقود ، عن غير الوقت المفقود ، وتسمية بيت المال ممطلا وقد أنجز ، ووصف الحق المتلف بأنه دين وقد أعجز ، وأكل رزق اليوم وتسميته منسوبا إلى أمسه ، وإخراج المعتدّ لسنة هلاله إلى حساب المعتدّ إلى سنة شمسه . وكان اللَّه تعالى قد أجرى أمر هذه الأمّة على تاريخ منزّه عن اللَّبس ، موقّر عن الكبس ، وصرّح كتابه العزيز بتحريمه ، وذكر ما فيه من تأخير وقت النّسيء وتقديمه ؛ والأمّة المحمدية لا ينبغي أن يدركها الكسر ( 1 ) ، كما أنّ الشمس لا ينبغي أن تدرك القمر ، وسننها بين الحق والباطل فارقة ، وسنتها أبدا سابقة ، والسّنون

--> ( 1 ) لم نعثر في معاجم اللغة التي بين أيدينا على « الكسر » بالتحريك ؛ ولعلَّه حرّكها لتمام التجنيس .