أحمد بن علي القلقشندي

77

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

بعدها لاحقة ، يتعاورها الكسر الذي يزحزح أوقات العبادات عن مواضعها ، ولا يدرك عملها إلا من دقّ نظره ، واستفرغت في الحساب فكره ؛ والسنة العربية تقطع بخناجر أهلَّتها الاشتباه ، وتردّ شهورها حالية بعقودها موسومة الجباه ؛ وإذا تقاعست السنة الشمسية عن أن تطأ أعقابها ، وتواطي حسابها ، اجتذبت قراها قسرا ، وأوجبت لحقّها ذكرا ، وتزوّجت سنة الشمس سنة الهلال وكان الهلال بينهما مهرا ؛ فسنتهم المؤنثة وسنتنا المذكَّرة ، وآية الهلال هنا دون آية الليل هي المبصرة ؛ وفي السّنة العربيّة إلى ما فيها من عربيّة الإفصاح ، وراحة الإيضاح ، الزيادة التي تظهر في كل ثلاث وثلاثين سنة توفي على عدد الأمم قطعا ، وقد أشار اللَّه إليها بقوله : * ( ولَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدَادُوا تِسْعاً ) * ( 1 ) وفي هذه السنة الزائدة زيادة ، من لطائف السّعادة ، ووظائف العبادة ، لأن أهل ملَّة الإسلام يمتازون على كل ملة بسنة في نظير تلك المدّة قصدوا صلاتها ، وأدّوا زكاتها ، وحجّوا فيها البيت العتيق الكريم ، وصاموا فيها الشهر العظيم ، واستوجبوا فيها الأجور الجليلة ، وأنست فيها أسماعهم بالأعمار الطويلة ؛ ومخالفوهم فيها قد عطَّلت صحائفهم في عدوانهم ، وإن كانت عاطلة ، وخلت مواقفهم في أديانهم ، وإن لم تكن قطَّ آهلة . وقد رأينا باستخارة اللَّه سبحانه والتيمّن باتّباع العوائد التي سلكها السّلف ، ولم تسلك فيها السّرف ، أن ينسخوا أسماءها من الخراج ، ويذهب ما بين السنين من الاضطراب والاعوجاج ، لا سيما والشهور الخراجيّة قد وافقت في هذه الشهور الشهور الهلالية ، وألقى اللَّه في أيامنا الوفاق بين الأيّام ، كما ألقى باعتلائنا الوفاق بين الأنام ، وأسكن بنظرنا ما في الأوقات من اضطراب وفي القلوب من اضطرام . فليستأنف التاريخ في الدواوين المعمورة ، لاستقبال السنة المذكورة ، بأن توسم بالهلاليّة الخراجيّة لإزالة الالتباس ، ولإقامة القسطاس ، وإيضاحا لمن أمره عليه غمّة من الناس ؛ وعلى

--> ( 1 ) الكهف / 25 .