أحمد بن علي القلقشندي
28
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فإن الأرض يحييها العدل ويعمرها الاقتصار على الاقتصاد - أن يسامح . . . فليستقرّ حكم هذه المسامحة استقرارا يبقي رسمها ، ويمحو من تلك البواقي المساقة رسمها واسمها ، ويضع عن كواهل الرعايا أعباءها ، ويسيّر بين البرايا أخبارها الحسنة وأنباءها ، ويسقط من جرائد الحساب تفاصيلها وجملها ، ويحقّق بتعفيته آثارها رجاء رعيّة بلادنا المحروسة وأملها . فقد ابتغينا بالمسامحة بهذه الجمل الوافرة ثواب اللَّه وما عند اللَّه خير وأبقى ، وأعتقنا بها ذمم من كانت عليه من ملكة المال الذي كان له باستيلاء الطَّلب واستمراره مسترقّا ، تقرّبا إلى اللَّه تعالى لما فيه من إيثار التخفيف ، ووضع إصر التكليف ، وتقوية حال العاجز فإنّ غالب الأموال إنما تساق على الضعيف ، وتوفير همّ الرّعايا على عمارة البلاد وذلك من آكد المصالح وأهمّها ، وتفريغ خواطرهم لأداء ما عليهم من الحقوق المستقبلة وذلك من أخصّ المنافع وأعمّها ؛ فليقابلوا هذه النّعم بشكر اللَّه على ما خصّ دولتنا به من هذه المحاسن ، ويوالوا حمده على مامتّعهم به من موادّ عدلها التي ماء إحسانها غير آسن ، ويبتهلوا لأيّامنا الزاهرة بالأدعية التي تخلَّد سلطانها ، وتشيّد أركانها ، وتعلي منار الدين باعتلائها ، وتؤيّدها بالملائكة المقرّبين على أعداء اللَّه وأعدائها ، وسبيل كل واقف على مرسومنا هذا : من ولاة الأمر أجمعين العمل بمضمونه ، والانتهاء إلى مكنونه ، والمبادرة إلى إثبات هذه الحسنة ، والمسارعة إلى العمل بهذه المسامحة التي تستدعي مسارّ القلوب وثناء الألسنة ، وتعفية آثار تلك البواقي التي عفونا عن ذكرها ، ومحو ذكر تلك الأموال التي تعوّضنا عن استيفائها بأجرها . وهذه نسخة مرسوم شريف بالمسامحة بالبواقي في ذمم الجند والرّعايا بالشام ، كتب به في الدولة الناصرية محمد بن قلاوون في شهور سنة اثنتين