أحمد بن علي القلقشندي

27

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

إليه ، ورزقنا من النصر على أعدائه ما أعزّ المسلمين وأدالهم ، وأذلّ المشركين وأذالهم ، وكفّ بالرّعب أطماعهم ، وأعمى بما شاهدوه أبصارهم وأصمّ بما سمعوه أسماعهم ، وحصرهم بالمهابة في بلادهم ، وأيأسهم بالمخافة من نفوسهم قبل طارفهم وتلادهم - لم نزل نرغب في حسنات تحلَّى بها أيامنا ، وقربات تجري بها أقلامنا ، ومكرمات تكمل بها عوارفنا وإنعامنا ، ومآثر يخلَّد بها في الباقيات الصالحات ذكرنا ، ومواهب تجمّل بها بين سير العصور الذاهبة سيرتنا الشريفة وعصرنا ، ومصالح يصرف بها إلى مصالح البلاد والعباد نظرنا الجميل وفكرنا ، نهوضا بطاعة اللَّه فيما ألقى مقاليده إلينا ، وأداء لشكره فيما أتمّ به نعمه العميمة علينا ، واكتسابا لثوابه فيما نقدّمه من ذخائر الطاعات بين يدينا ، ونظرا في عمارة البلاد بخفّة ظهور ساكنيها ، وإطابة لقلوب العباد من تبعات البواقي التي كانت تمنعهم من عمارة أراضيهم وتنفّرهم من التوطَّن فيها ، ورغبة فيما عند اللَّه واللَّه عنده حسن الثواب ، وتحرّيا لإصابة وجه المصلحة الإسلاميّة في ذلك واللَّه الموفّق للصواب . ولذلك لمّا اتّصل بنا [ أنّ ] باقي البلاد الشامية من البواقي التي يتعب ألسنة الأقلام ، إحصاؤها ، ويثقل كواهل الأفهام ، تعداد وجوهها واستقصاؤها ، مما لا يسمح بمثله في سالف الدّهور ، ولا يسخو به إلا من يرغب مثلنا فيما عند اللَّه من أجور لا تخرجه عن مصالح الجمهور - اقتضت آراؤنا الشريفة أن نعفي منها ذمما كانت في أغلال إسارها ، وأثقال انكسارها ، وروعة اقتضائها ، ولوعة التردّد بين إنظار المطالبة وإمضائها ، وأن نعتق منها نفوسا كانت في سياق مساقها ، وحبال إزهاقها وإرهاقها ، لتتوفّر الهمم على عمارة البلاد ، بالأمن على الطارف والتّلاد ، وتجمع الخواطر على حسن الخلف ، بما حصل لهم من المسامحة عما عليهم من ذلك سلف ، بذمم بريّة من تلك الأثقال ، عريّة عن عثرات تلك البواقي التي ما كان يقال إنها تقال . فرسم بالأمر الشريف - زاده اللَّه تعالى علوّا وتشريفا ، وأمضاه بما يعم الآمال رفقا بالرعايا وتخفيفا ، وأجراه من العدل والإحسان بما يعمّ البلاد ، ويجبر العباد ،