أحمد بن علي القلقشندي
26
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
معروف تجدب منه أرجاء الرجاء إلا واستهلَّت عليه آلاؤنا من صوب برّنا المألوف لآلي ودقه ( 1 ) نحمده على نعمه التي عمّت الرّعايا بتوالي الإحسان إليهم ، وأنامتهم في مهاد الأمن بما وضعت عنهم مسامحتنا من إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ، وأنالتهم ما لم تطمح آمالهم إليه : من رفع الطَّلب عن بواقي أموال أخّروها وراء ظهورهم وكانت كالأعمال المقدّمة بين يديهم . ونشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة تبعث على نشر رحمته ، التي وسعت كلّ شيء في عباده ، وتحثّ على بثّ نعمته ، التي غمرت كلّ حيّ على اجتماعه وسعت إلى كل حيّ على انفراده ، وتحضّ على ما ألهمنا من رأفة بمن قابله بتوحيده وشدّة على من جاهره بعناده . ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أسكت ألسنة الشرك وأخرسها ، وعفّى معالم العدوان وطمسها ، وأثّل قواعد الدين على أركان الهدى وأسّسها ، وأوضح سبل الخيرات لسالكها فإذا سعدت بالملوك رعاياها فإنما أسعدت الملوك بذلك في نفس الأمر أنفسها ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين شفعوا العدل بالإحسان ، وجمعوا بين ملك الدنيا والآخرة بإحياء السّنن الحسان ، وزرعوا الجهاد بالإيمان في كل قلب فأثمر بالتوحيد من كلّ لسان ، صلاة جامعة أشتات المراد ، سامعة نداء أربابها يوم يقوم الأشهاد ، قامعة أرباب الشكّ فيها والإلحاد ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإننا لما آتانا اللَّه من ملك الإسلام ، وخصّنا به من الحكم العامّ ، في أمة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام ، وأيّدنا به من النصر على أعداء دينه ، وأمدّنا به من تأبيد تأييده ودوام تمكينه ، وجعل دولتنا مركزا مدار ملك الأمة الإسلامية عليه ، وفلكا مآل أمور الأمّة المحمدية في سائر الممالك على اختلافها
--> ( 1 ) ودقت السماء : أمطرت .