أحمد بن علي القلقشندي
87
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
سكارى ، ومدّت ظلال الغصون فتخال أنّها على وجنات الأنهار تدبّ عذارا . وكانت دمشق المحروسة لها هذه الصّفات ، وعلى صفاها تهبّ نسمات هذه السّمات ، لم يتّصف غيرها بهذه الصّفة ، ولا اتّفق أولوا الألباب إلَّا على محاسنها المختلفة ؛ فهي البقعة الَّتي يطرب لأوصاف جمالها الجماد ، والبلد الذي ذهب بعض المفسّرين إلى أنّها إرم ذات العماد ، وهي في الدّنيا أنموذج الجنّة الَّتي وعد المتّقون ، ومثال النّعيم للَّذين عند ربّهم يرزقون ، وهي زهرة ملكنا ، ودرّة سلكنا ؛ وقد خلت هذه المدّة ممّن يراعي تدبيرها ويحمي حوزتها ويحاشيها من التّدمير ويملأ خزائنها خيرا يجلى ، إذا ملأنا ساحتها خيلا ورجلا - تعيّن أن ننتدب لها من جرّبناه بعدا وقربا ، وهززناه مثقّفا وسللناه عضبا ، وخبأناه في خزائن فكرنا فكان أشرف ما يدّخر وأعزّ ما يخبى ؛ كم نهى في الأيّام وأمر ، وكم شدّ أزرا لمّا وزر ، وكم غنيت به أيّامنا عن الشّمس وليالينا عن القمر ، وكم رفعنا راية مجد تلقّاها عرابة ( 1 ) فضله بيمين الظَّفر ، وكم علا ذرا رتب تعزّ على الكواكب الثّابتة فضلا عمن يتنقّل في المباشرات من البشر ، وكم كانت الأموال جمادى وأعادها ربيعا غرّد به طائر الإقبال وصفر . و [ لما ] ( 2 ) كان [ الصاحب أمين الملك ] ( 3 ) هو معنى هذه الإشارة ، وشمس هذه الهالة وبدر هذه الدّارة ، نزل من العلياء في الصّميم ، وفخرنا بأقلامه الَّتي هي سمر الرّماح كما فخرت بقوسها تميم ، وحفظت الأموال في دفاتره الَّتي
--> ( 1 ) هو عرابة بن أوس الحارثي الأنصاري : من سادات المدينة الأجواد المشهورين . توفي نحو 60 ه . وفيه يقول الشمّاخ المريّ : رأيت عرابة الأوسيّ يسمو إلى الخيرات منقطع القرين إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين ( بلوغ الأرب للآلوسي : 2 / 187 - 188 والأعلام : 4 / 222 ) . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 3 ) الزيادة من الطبعة الأميرية .