أحمد بن علي القلقشندي
88
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
يوشّيها فأوت إلى الكهف والرّقيم ( 1 ) ، وقال لسان قلمه : * ( اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) * ( 2 ) ، وعقيم الزّمان أن يجيء بمثله « إنّ الزمان بمثله لعقيم » ، وتشبّه به أقوام فبانوا وبادوا ، وقام منهم عبّاد العباد فلمّا قام عبد اللَّه كادوا - أردنا أن تنال الشّام فضله كما نالته مصر فما تساهم فيه سواهما ، ولا يقول لسان الملك لغيره : حللت بهذا حلَّة ثم حلَّة بهذا فطاب الواديان كلاهما فلذلك رسم بالأمر الشّريف أن يفوّض إليه تدبير الممالك الشّريفة ، ونظر الخواصّ الشريفة والأوقاف المبرورة على عادة من تقدّمه في ذلك . فليتلقّ هذه الولاية بالعزم الَّذي نعهده ، والحزم الَّذي شاهدناه ونشهده ، والتّدبير الَّذي يعترف الصواب له ولا يجحده ، حتى يثمّر الأموال في أوراق الحسّاب ، وتزيد نموّا وسموّا فتفوق الأمواج في البحار وتفوت القطر من السّحاب ، مع رفق يكون في شدّته ، ولين يزيد مضاء حدّته ، وعدل يصون مهلة مدّته ؛ والعدل يعمّر ، والغدر يدمّر ، ولا يثمّر ، بحيث إنّ الحقوق تصل إلى أربابها ، والمعاليم تطلع بدور بدرها كاملة كلّ هلال على أصحابها ، والرّسوم لا تزداد على الطَّاقة في بابها ، والرّعايا يجنون ثمر العدل في أيّامه متشابها ؛ وإذا أنعمنا على بعض أوليائنا بنحل ( 3 ) فلا يكدّر وردها بأنّ تؤخّر ، وإذا استدعينا لأبوابنا بمهمّ فليكن الإسراع إليه يخجل البرق المتألَّق في السّحاب المسخّر ؛ فما أردناك إلَّا لأنّك سهم خرج من كنانة ، وشهم لا ينهي إلى الباطل عيانه وعنانه ؛ فاشكر هذه النعمة على منائحها ، وشنّف الأسماع بمدائحها ، متحقّقا أنّ في
--> ( 1 ) الرقيم : الكتاب المرقوم ( المكتوب ) . وقوله تعالى : أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ والرَّقِيمِ : المراد الفتية الذين لجأوا إلى الكهف . والرقيم هو اللوح الَّذي رقمت عليه أسماؤهم وقصتهم وما تمسكوا به من شرع عيسى عليه السّلام ، وقيل : هو اسم الوادي الَّذي كانوا فيه . ( معجم الألفاظ والأعلام القرآنية : 1 / 229 ) . ( 2 ) يوسف / 55 . ( 3 ) جمع نحلة ، وهي العطاء .