أحمد بن علي القلقشندي

81

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

مناهل التصدير ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله أفضل نبيّ اقتفت أمّته آثاره واتّبعت سننه ، وأكرم رسول دعا إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه أئمّة الحقّ وأعلام الهدى ، وحماة الدّين وكفاة الرّدى ، صلاة يبقى على مدى الأيّام حكمها ، ولا يندرس على ممرّ اللَّيالي رسمها ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإنّ أولى من رعيت له الحقوق القديمة ، وحفظت له مساعيه الكريمة ، وخلَّدت عليه النّعم الَّتي حقّ لها أن تكون بأهلها مقيمة ، من كرم أصلا وطاب فرعا ، وزكا منبعا وعذب نبعا ، ووقع الإجماع على فضله المتواتر فأعدق الحكم بتفضيله قطعا ، ومن إذا تكلَّم فاق بفضله نثر اللَّالي ، وإذا قدر قدره انحطَّت عن بلوغ غايته المعالي ، وإذا طلع بدره المضيء من أفق مجلسه الموروث عن أبيه وأعمامه قال : ليت أشياخي ( 1 ) شهدوا هذا المجلس العالي ، ومن إذا جلس بحلقته البهيّة غشيته من الهيبة جلالة ، وإذا أطافت به هالة الطَّلبة والمستفيدين قيل : ما أحسن هذا البدر في هذه الهالة ! ، ومن تتيه طلبته على أكابر العلماء بالانتماء إليه ، وتشمخ نفوس تلامذته على غيره من المتصدّرين بالجلوس بين يديه ، ومن إذا أقام بمصر طلع بالشّام بدره ، ولو أقام بالشّام بقي بمصر على الَّدوام ذكره . وكان المجلس العاليّ ، القاضويّ ، الكبيريّ ، العالميّ ، العامليّ ، الأفضليّ ، الأكمليّ ، الأوحديّ ، البليغيّ ، الفريديّ ، المفيديّ ، النّجيديّ ، القدويّ ، الحجّيّ ، المحقّقيّ ، الإماميّ ، الأصيليّ ، البدريّ ، جمال الإسلام والمسلمين ، شرف العلماء العاملين ، أوحد الفضلاء المفيدين ، قدوة البلغاء ،

--> ( 1 ) استعارة من البيت المشهور لابن الزبعري يوم أحد : ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل ( انظر العقد الفريد : 5 / 139 ) .