أحمد بن علي القلقشندي
79
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
جلال الأئمّة ، حكم الملوك والسلاطين ، خالصة أمير المؤمنين ، أبو الحسن عليّ بن الطَّرسوسيّ الحنفيّ ، قاضي القضاة بالشّام - نشر ملاءة مذهبه ، وحلَّى بجلوسه للحكم طرفي النّهار إضاءة مفضّضه وتوشيع مذهبه ، طالما ساس الرّعيّة بحكمه ، وساد نظراءه في معرفة العلوم الشّرعيّة بعلمه وحكمه ، وسار مثل فضله في الأقطار وضوء الشّمس مرد شعاعه ، فطال إلى السّماء وقصر الأفق الممتدّ على طول باعه ، وفاض فيض الغمام وما اكتال البحر بكيله ولا صار مثل صاعه ، وعرضت عليه هذه المدرسة الَّتي لم يكن لغيره أن يحبى ريحانتها ، ولا أن تؤدّى إلى يد سواه فيودع أمانتها ، فآثرها على أنّه ترك المدرسة المقدّميّة المتقدّم له درسها ، المعظَّم به في كلّ حين غرسها ، ليوسّع بها على الطالب مذهبه ، ويفرغ لها ساعة من أوقاته المنتهبة ، ويهب [ لها ] ( 1 ) من حقّه الَّذي هو في يده ما لو شاء ما وهبه . فرسم بالأمر الشريف - لا زال يقرّب الآماد ، ويرضي القوم وأقضاهم عليّ وأثبتهم طودا العماد - أن يفوّض إليه تدريس المدرسة الرّيحانية المعيّنة أعلاه ، على عادة من تقدّمه وقاعدته إلى آخر وقت ، بحكم تركه للمقدّمية ليهبّ عليه روحها وتهب له السّعادة ريحها ؛ ولها من البشرى بعلمه ما تميس به ريحانة ريحها سرورا ، وتميد وقد أكنّت جبلا من العلم وقورا ، وتمتدّ وقد نافحت في مسكة اللَّيل عبيرا ، وفي أقحوانة الصّباح كافورا ؛ وما نوصي مثله - أجلّ اللَّه قدره - بوصية إلا وهو يعلمها ، ويلقّنها من حفظه ويعلَّمها ؛ ومن فصل قضائه تؤخذ الآداب ، وتنفذ سهام الآراء والآراب . وتقوى اللَّه بها باطنه معمور ، وكلّ أحد بها مأمور ؛ وما نذكَّره بها إلَّا على سبيل التّبرّك بذكرها ، والتّمسّك بأمرها . والفقهاء والمتفقّهة هم جنده ؛ وبهم يجدّ جدّه ، [ فليجعلهم له في المشكلات عدّة ، وليصرف في ] ( 2 ) الإحسان إليهم جهده ؛ واللَّه تعالى يعينه على ما ولي ،
--> ( 1 ) الزيادة من الطبعة الأميرية . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية .