أحمد بن علي القلقشندي

67

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

علموا ، وعدلوا فيما حكموا ، وحفظوا بالحقّ بيوت أموال الأمّة فاشترك أهل الملَّة فيما غنموا ، صلاة توكَّل الإخلاص بإقامتها ، وتكفّل الإيمان بإدامتها ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد : فإن أهمّ ما صرفت إليه الهمم ، وأعمّ ما نوجب في اختيار الأكفاء له براءة الذّمم ، وأخصّ ما اتّخذنا الاستخارة فيه دليلا ، وأحقّ ما أقمنا عنّا فيه من أعيان الأمّة وكيلا ، لا يدع حقّا للأمّة ما وجد إليه سبيلا - أمر بيت مال المسلمين الذي هو مادّة جهادهم ، وجادّة جلادهم ، وسبب استطاعتهم ، وطريق إخلاصهم في طاعتهم ، وسداد ثغورهم ، وصلاح جمهورهم ، وجماع ما فيه إتقان أحوالهم واستقرار أمورهم ؛ ومن آكد مصالحه وأهمّها ، وأخصّ قواعده وأعمّها ، وأكمل أسباب وفوره وأتمّها ، الوكالة الَّتي تصون حقوقه أن تضاع ، وتمنع خواصّه أن تشاع ، وتحسن عن الأمّة في حفظ أموالها المناب ، وتتولَّى لكلّ من المسلمين فيما فرض اللَّه لهم الدعوى والجواب ؛ ولذلك لم نزل نتخيّر لها من ذخائر العلماء من زان الورع سجاياه ، وكمّل العلم مزاياه ، وانعقد الإجماع على كماله ، وقصرت الأطماع عن التّحلَّي بجمال علمه : وهل يبارى من كان علمه من جماله . ولما كان المجلس الساميّ ، الشّيخيّ ، الفلانيّ ، هو الَّذي ظهرت فضائله وعلومه ، ودلّ على بلوغ الغاية منطوق نعته ومفهومه ، وحلَّى علمه بالورع الَّذي هو كمال الدين على الحقيقة ، وسلك طريقة أبيه في التّفرّد بالفضائل فكان بحكم الإرث من غير خلاف صاحب تلك الطَّريقة ، مع نسب لنسيب ما مرّ حلاله ، وتقّى ما ورثه من أبيه عن كلالة ، وثبات في ثبوت الحقّ لا تستفزّه الأغراض ، وأناة في قبول الحكم لا تحيل جواهره الأعراض ، ووقوف مع الحقّ لا يبعده إلى ما [ لا ] ( 1 ) يجب ، وبسطة في العلم بها يقبل ما يقبل ويجتنب ما

--> ( 1 ) الزيادة يقتضيها المعنى .