أحمد بن علي القلقشندي

55

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أحكامه الخصام ( 1 ) ، وتنكَّس الرؤوس لهيبته إطراقا ، وتغضّ المقل فما تدير جفونا ولا تقلَّب أحداقا ، ويجري بتصريفه قلم القضاء ، ويجاري مرهفه البروق فتقرّ له بالمضاء ؛ وقد شيّد اللَّه مبانيه في ممالكنا الشريفة مصرا وشاما على أربعة أركان ، وجمع في قضائه الأئمّة الأربعة لتكمل بهم فصول الزمان ؛ ومذهب الإمام أبي عبد اللَّه « أحمد بن حنبل » رضي اللَّه عنه هو بالسّنّة النبوية الَّطراز المذهب ، وطريقة السلف الصالح في كلّ مذهب ؛ وقد تجنّب من سلف من علمائه التّأويل في كثير ، ووقف مع الكتاب والسّنّة وكلّ منهما هو المصباح المنير . وكانت دمشق المحروسة هي مدار قطبهم ، ومطلع شموسهم ونجومهم وشهبهم ، وأهلها كثيرا ما يحتاجون إلى حاكم هذا المذهب في غالب عقد كل بيع وإيجار ، ومزارعة في غلال ومساقاة في ثمار ، ومصالحة في جوائح ( 2 ) سماويّة لا ضرر فيها ولا ضرار ( 3 ) ، وتزويج كلّ مملوك أذن له سيّده بحرّة كريمة ، واشتراط في عقد بأن تكون الامرأة في بلدها مقيمة ، وفسخ إن غاب زوجها ولم يترك لها نفقة ولا أطلق سراحها ، وبيع أوقاف داثرة لا يجد أرباب الوقف نفعا بها ولا يستطيعون إصلاحها . فلما استأثر اللَّه بمن كان قد تكمّل هذا المنصب الشريف بشرفه ، وتجمّل منه ببقيّة سلفه ، حصل الفكر الشريف فيمن نقلده هذه الأمانة في عنقه ، ونهنّيء هذا المنصب بطلوع هلاله في أفقه ، إلى أن ترجح في آرائنا العالية المرجّح

--> ( 1 ) الخصام : جمع خصم ، كبحر وبحار ( هامش الطبعة الأميرية عن المصباح ) . ( 2 ) الجائحة : المصيبة تحلّ بالرجل في ماله فتجتاحه كله . وفي اصطلاح الفقهاء : ما أذهب الثمر أو بعضه من آفة سماوية . ويقال : سنة جائحة أي جدبة . الجمع : جوائح . ( 3 ) روي عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال : لا ضرر ولا ضرار في الإسلام . ولكل واحد من اللفظين معنى غير الآخر : فمعنى لا ضرر أي لا يضرّ الرجل أخاه ، وقوله : لا ضرار أي لا يضارّ كل واحد منهما صاحبه ؛ فالضرار منهما معا ، والضرر فعل واحد . وقيل : الضرر ابتداء الفعل ، والضرار الجزاء عليه ؛ وقيل : هما بمعنى واحد ، وتكرارهما للتأكيد . ( انظر لسان العرب : 4 / 482 ) .