أحمد بن علي القلقشندي
56
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
المرجّى ، وتعيّن واحدا لمّا ابتلي الناس بالقضاء كان المنجّى ابن المنجّى ؛ طالما تطرّزت له الفتاوى بالأقلام ، والتفّت به حلقة إمام ، وخاف في طلب العلم من مضايقة اللَّيالي فما نام - اقتضى حسن الرأي الشريف أن يفوّض إليه قضاء القضاة بالشام المحروسة على مذهب الإمام الربانيّ « أحمد بن حنبل » الشيبانيّ ، رضي اللَّه عنه . فليحكم في ذلك بما أراه اللَّه من علمه ، وآتاه من حكمه ، وبينه له من سبل الهدى ، وعيّنه لبصيرته من سنن نبيّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم التي من حاد عنها فقد جار واعتدى ، ولينظر في أمور مذهبه ويعمل بكل ما صحّ نقله عن إمامه ، وأصحابه من كان منهم في زمانه ومن تخلَّف عن أيّامه ؛ وقد كان - رحمه اللَّه - إمام حقّ نهض وقد قعد الناس تلك المدّة ، وقام نوبة المحنة وقام « سيّد تيم » ( 1 ) رضي اللَّه عنه نوبة الرّدّة ، ولم تهبّ به زعازع « المرّيسيّ » ( 2 ) وقد هبّت مريسا ( 3 ) ، ولا « ابن أبي دواد » ( 4 ) وقد جمع كلّ ذود وساق له من كلّ قطر عيسا ؛ ولا نكث عهد ما قدّم إليه « المأمون » في وصيّة أخيه من المواثق ، ولا روّعه صوت « المعتصم » وقد صبّ عليه عذابه ولا سيف « الواثق » ؛ فليقفّ على أثره ، وليقف بمسنده على
--> ( 1 ) هو أبو بكر الصديق . ( 2 ) في لسان الميزان « المشهور : المريسي بتخفيف الراؤ ضبطها الصغاني بتثقيلها » وفي معجم البلدان والقاموس نسبته إلى « مرّيسة » بتشديد الراء . وضبطه ابن خلكان بفتح الميم وكسر الراء المخففة . وهو بشر بن غياث بن أبي كريمة : فقيه معتزلي عارف بالفلسفة ؛ وهو رأس الطائفة المريسية القائلة بالإرجاء ، وقد رمي بالزندقة . توفي سنة 218 ه . ( وفيات الأعيان : 1 / 277 والأعلام : 2 / 55 ) . ( 3 ) أي هبّت شديدة قويّة . ( 4 ) ابن أبي دواد : أحد القضاة المشهورين من المعتزلة ، ورأس فتنة القول بخلق القرآن . كان مقدما لدى الخلفاء العباسيين أيام المأمون والمعتصم والواثق . وتوفي في خلافة المتوكل سنة 240 ه . وبعد ذلك بسنة توفي الإمام أحمد بن حنبل الَّذي تعرّض للسجن والضرب بسبب عدم استجابته للقول بخلق القرآن أيام المعتصم . ثم جاء الواثق فمنعه من الخروج من داره إلى أن أخرجه المتوكل وخلع عليه وأكرمه ورفع المحنة في خلق القرآن . ( انظر وفيات الأعيان : 1 / 63 و 81 والأعلام : 1 / 124 و 203 ) .