أحمد بن علي القلقشندي
47
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
فاحكم بينهم بما أراك اللَّه ولا تتّبع أهواءهم ؛ وقد فقّهك اللَّه في دينه ، وأوردك من موارد يقينه ، ما جعله لك نورا ، وجلاه لك سفورا ، وأقامه عليك سورا ، وعلَّمك ما لم تكن تعلم منه أمورا ؛ فإن أشكل عليك أمر فردّه إلى كتاب اللَّه وسنّة رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وإجماع أصحابه فإن لم تجد فعندك من العلماء من تجعل الأمر بينهم شورى ، ولأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه كتاب ( 1 ) كتبه إلى بعض القضاة ، فاعمل بمقتضاه ، واعلم بأنّ اللَّه تعالى قد ارتضاك لخلقه فاعمل على رضاه . والأئمة العلماء هم إخوانك في الدّين ، وأعوانك على ردع المبتدعين ، ولسانك في المحفل وجناحك إذا جلسوا ذات الشمال وذات اليمين ؛ فنزّلهم منازلهم الَّتي أحلَّهم اللَّه في شرفاتها ، وبوّأهم رفيع غرفاتها ، وتألَّف خواطرهم فإنّك تنظر إلى كثير من الأمور في صفاء مصافاتها . ومن نسب إلى خرقة الفقر ( 2 ) وأهل الصلاح هم أولياء اللَّه المقرّبون ، وأحبّاؤه الأقربون ، فعظَّم حياتهم ، وجانب محاباتهم ، فما منهم وإن اختلفت أحوالهم إلا من هو على هدى مبين ، واحرص أن تكون لهم حبّا يملا ( 3 ) قلوبهم فإنّ اللَّه ينظر إلى قوم من قلوب قوم آخرين . وانتصب للدروس الَّتي تقدّمت بها على وافد الطلبة فإنّ الكرم لا يمحقه الالتماس ، والمصباح لا يفني مقله كثرة الاقتباس ، والغمام لا ينقصه توالي المطر ولا يزيده طول الاحتباس ، والبحر لا يتغيّر عن حاله وهو لا يخلو عن الورّاد في عدد الأنفاس .
--> ( 1 ) كتبه إلى أبي موسى الأشعري ؛ وهو الكتاب المشهور بكتاب سياسة القضاء وتدبير الحكم . وقد أورد القلقشندي نص الكتاب في الجزء العاشر من الصبح . ( انظر نص الكتاب مقارنا على جميع المصادر الَّتي أوردته في كتاب الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة : 425 - 436 ) . ( 2 ) المراد أهل التصوّف . ( 3 ) في الأصل « حبلا يملا في قلوبهم » . وما أثبتناه من الطبعة الأميرية .