أحمد بن علي القلقشندي
370
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الرّتبة ، وصعود هذه الذّروة الهضبة ، ولأنّه الأولى بدرجات الرّتب النّفائس ، والأجدر بجنى فروعها الموائس ، والإمام على الحالين إذا قامت صفوف المساجد وإذا قعدت صفوف المدارس ، والعربيّ الَّذي إذا رقى ذروة منبر أطلقت عليه لفظة فارس ، والورع الَّذي آثر في مناصبه الباقية على الفانية ، ومنابر الحكم المضيئة على مراتب الحكم الماضية ، وعلى مجالس الدّعاوى مجالس الدّعوات ، وعلى مقام الصّلات مقام الصلوات ، وعلى القضاء الفرض ، وعلى [ الرّحبة المحلّ الأرقى ] ( 1 ) ولو كمفحص ( 2 ) القطاة من الأرض ، وعلى عرض الدّنيا القليل جوهر الفضل الكثير ، وعلى كتاب « أدب القاضي » كتاب « الجامع الصغير » ( 3 ) فليباشر هذه الوظيفة المباركة : خطيبا تدرأ مواعظه الخطوب ، واعظا من قلب تقيّ تصل هدايا تقاه إلى القلوب ، فصيحا تكاد المنابر تهتزّ طربا ببيانه ، نجيحا تكاد أجنحة أعلامها تطير فرحا بمكانه ، شاملا بنفحات فضله النّواسم ، كاملا لو تقدّم زمانه لم يقل : « فلا الكرج الدّنيا ولا النّاس قاسم » ؛ واللَّه تعالى يسدّد أقواله وأفعاله ، ويرفع على المنابر والرّتب والمراتب مقامه ومقاله ، ويمتّعه بهذه الرّتبة الَّتي أشبهت معنى في الخلافة : « فلم يكن يصلح إلَّا لها ولم تكن تصلح إلا له » . المرتبة الثالثة ( من تواقيع أرباب الوظائف الدينية بحاضرة دمشق - ما يفتتح ب « - رسم بالأمر » ؛ وفيها وظائف ) وهذه نسخ تواقيع من ذلك :
--> ( 1 ) الزيادة من هامش الطبعة الأميرية . ( 2 ) المفحص والأفحوص : حفرة تحفرها القطاة أو الدجاجة في الأرض لتبيض وترقد فيها . ( 3 ) « الجامع الصغير » في الفروع ، لمحمد بن الحسن الشيباني الحنفي المتوفى سنة 187 ه . « وأدب القاضي » على مذهب أبي حنيفة للإمام أبي يوسف يعقوب المتوفى سنة 182 ه . ( كشف الظنون : 1 / 46 - 561 ) .