أحمد بن علي القلقشندي
365
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الذي إذا قال لم يترك مقالا لقائل ، وإذا شرح على قياسه أتى بما لم تستطعه الأوائل ، وإذا جارى العلماء كاد « إمام الحرمين » يقول : أنا المصلَّي وأنت السابق ، « والغزاليّ » : من لي أن أنسج على منوال هذا اللفظ الرّائق ؟ ؛ « وابن دقيق العيد » ( 1 ) : ليت لي من هذه الدّقائق بلغة ؟ ، و « ابن الصّباغ » : هذا الَّذي صبغه اللَّه من المهد عالما ! ومن أحسن من اللَّه صبغة ؟ ؛ ولأنه العالم الَّذي أحيا ذكر « ابن نقطة » ( 2 ) بعد ما دارت عليه الدوائر ، وأغنى وحده دمشق عمن أتى في النسب « بعساكر » ، ولأنّه في البيان ذو الانتقاد والانتقاء ، والعربيّ الَّذي إن كان لرقاب الفضلاء « ابن مالك » فإن قرينه « أبو البقاء » ، والكامل حسبا ، ومثل جيّده المنقود لا يبهرج ، والواصل نسبا ، ومثل فرعه بعد أصله : « وللَّه أوس آخرون وخزرج » . فليباشر هذا التّدريس بعزائم سريّة ، ومباحث تستنار منها معارف القول التّبريّة ، وطرائف لا تحبس بدمشق على نقداتها المصرية ، ولينصر مذهب الإمام الشافعيّ رضي اللَّه عنه فإنّ قومه الأنصار ، وليخفض جناحه للطَّلبة فطالما خفضت الملائكة أجنحتها ليصير فلا عجب أن صار ! ؛ وليفد وافديه وهو قاعد أضعاف ما أفادهم صاحب المكان وهو واقف ؛ وتقوى اللَّه عزّ وجلّ أولى ما طالعه في سرّه وجهره من « عوارف المعارف » ( 3 ) ؛ واللَّه تعالى يمدّه بإسعاده
--> ( 1 ) ثلاثة من علماء الشافعية يعرفون « بابن دقيق العيد » ، وهم إخوة : محمد بن علي بن وهب بن مطيع المتوفى سنة 702 ه ؛ وموسى بن علي بن وهب المتوفى سنة 685 ه وأحمد بن علي بن وهب . وأشهرهم الأول . ( الأعلام : 6 / 283 و 7 / 325 ) . ( 2 ) لعلَّه عبد اللطيف بن يوسف بن محمد البغدادي ؛ ويعرف بابن اللَّباد وبابن نقطة المتوفى سنة 629 ه : من فلاسفة الإسلام ، ومن العلماء المكثرين من التصنيف في الحكمة وعلم النفس والتاريخ والأدب . أو لعله محمد بن عبد الغني ، المعروف بابن نقطة والمتوفى سنة 629 ه في بغداد وفي نفس سنة وفاة ابن نقطة الآخر ، وهو عالم بالأنساب حافظ للحديث . ( أنظر الأعلام : 4 / 61 و 6 / 211 ) . ( 3 ) الإشارة إلى كتاب « عوارف المعارف » في التصوف للشيخ شهاب الدين السهروردي المتوفى سنة 632 ه . ( كشف الظنون : 2 / 1177 ) .