أحمد بن علي القلقشندي

352

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

صلاة طيبة تحلو إذا تكرّرت ، وتحيّة باقية تشرق شمسها إذا الشّمس كورت ، وتعبق نفحات نشرها إذا الصّحف نشرت . أما بعد ، فإنّ منازل العلم من خير ما أبقى الآباء للأعقاب ، وأكمل ما ذخر لنجباء الأبناء على مدى الأحقاب ، وأعدل ما شهد بلسان حاله المتمثّل أنّ وكر العقاب لابن العقاب ؛ وكانت المدرسة النّوريّة الكبرى بدمشق المحروسة هي الواسطة والمدارس درر ، والصّبح وأوطان العلم غرر ، ومنزلة الحكم الأمنع ، وبيت القضاء الَّذي أذن اللَّه لقدره أن يرفع ، ومكان ذي اليد الماضي سيف حكمه إذا قرعت العصا لذي الإصبع ، وذات العماد الَّتي ادّخرها لنجله ، وأعدّ فضلها في العباد والبلاد لفضله ؛ وكان ذلك ( 1 ) قد نزل لولده فلان عن الحكم على هذا الحكم ، ونطق بمزيّة الاستحقاق وقلوب بعض الأعداء صمّ بكم ، ورغب - أجلَّه اللَّه - فيما يرغب فيه من الانقطاع ذو السّن ( 2 ) العالي ، والقدر الغالي ، وانتظم تقليده الشريف فكان أجود حلية على أحسن جيد حالي ، ثم التوقيع بتدريس هذه المدرسة الَّتي زكيّ في أهل الفضل شهيدها ( 3 ) ، ونظرها الذي خلف في حكمه وليّ عهده عن أبيه : فللَّه أمين هذه الخلافة ورشيدها . ولذلك رسم بالأمر الشريف أن يفوّض إلى فلان تدريس المدرسة النّوريّة ونظرها : لاستحقاقه لها بشفعة منصب الحكم العزيز ، ومنشإ الفضل الحريز ، ووجيز النزول المكتتب ، وقبول هبة والده الَّذي يعتاد أن يهب الجليل لمن يهب ، وتشريفه بإنعامها النّفيس ، وإجلاسه بها على مرتبة حكم وبساط نظر وسجادة تدريس ، وعلما بأنّ نجم ذلك النّيّر أولى بهذه المنازل ، وشبل ذلك الأسد أحقّ بهذا الغاب الماثل ، وأنّه كوكب هذا المذهب المنير ، وإمام جامعيه المعروفين : كبير وصغير ، وصاحب شبيبة العزم المقتبل ، والرّأي الموفي على

--> ( 1 ) أي والد نجم الدين الحنفي . ( 2 ) في هامش الطبعة الأميرية : « نصّ أهل اللغة على أن السنّ بمعنى العمر مؤنثة » . ( 3 ) أي نور الدين محمود الشهيد .