أحمد بن علي القلقشندي

349

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وكان المقرّ الفلانيّ قد نفض يده من عنانها ، ورفض عن اختيار بهاء جنانها ، وثنى طلبته عن محاورتها ، ورمى أمنيّته من مجاورتها ، فساء من بها من أهل العلم فراقه ، وأوحشهم وجهه الَّذي أخجل البدور رونقه والبحر اندفاقه ، وفقدوا مكارمه الَّتي ما سمع « السّمعانيّ » بمثلها ولا وصلت إلى « الصّوليّ » ولا ضمّتها أوراقه ( 1 ) فلذلك رسم بالأمر العالي أن يعاد إلى تدريسها : لأنّ العود أمدح وأحمد ، والرّجوع إلى الحقّ أسعف وأسعد . فليباشر ما فوّض إليه مباشرة ألفت من كمال أدواته ، وعرفت من جمال ذاته ، ناشرا أعلام علومه المتنوّعة ، وفضائله الَّتي تقصر عن الثّناء عليها أنفاس الرّياض المتضوّعة ؛ فلو عاصره « ابن عطيّة » أمسك عنه في ( 2 ) تفسيره ، أو « صاحب الكشّاف » ( 3 ) لغطَّى رأسه من تقصيره ، أو « الرّافعيّ » ( 4 ) لأصبحت راية رأيه في الفقه خافضة رافعة ، أو « النّوويّ » ( 5 ) رحمه اللَّه لاستعار منه زهرات روضته اليانعة ، أو « الآمديّ » ( 6 ) لما امتدّت له معه في أصوله خطوة ، أو « ابن

--> ( 1 ) الإشارة إلى كتاب « الأوراق » في أخبار بني العباس وأشعارهم ، لمحمد بن يحيى الصولي المتوفى سنة 335 ه . والسمعاني هو عبد الكريم بن محمد ، صاحب الأنساب المتوفى سنة 562 ه . ( كشف الظنون : 1 / 179 - 201 ) . ( 2 ) كذا بالأصل . وفي هامش الطبعة الأميرية لعله : أمسك عن تفسيره « وابن عطية المفسّر هو عبد الحق بن غالب المتوفى سنة 542 ه . ( 3 ) الكشّاف عن حقائق التنزيل لجار اللَّه الزمخشري المتوفى سنة 538 ه . ( كشف الظنون : 2 / 1475 ) . ( 4 ) هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم : فقيه من كبار الشافعية . توفي سنة 623 ه . ( الأعلام : 4 / 55 ) . ( 5 ) هو الإمام يحيى بن شرف الشافعي المتوفى سنة 676 ه . نسبته إلى « نوا » من قرى حوران بسوريا . والإشارة إلى كتابه « روضة الطالبين » في الفقه . ( الأعلام : 8 / 149 ) . ( 6 ) هو سيف الدين الآمدي ، علي بن محمد المتوفى سنة 631 ه . والإشارة إلى كتابه « الإحكام في أصول الأحكام » . ( وفيات الأعيان : 3 / 432 والأعلام : 4 / 332 ) .