أحمد بن علي القلقشندي

348

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

يومئذ بالشام ، حين عاد إلى تدريسها بعد انفصاله عنها ، ب « المقرّ الكريم » ؛ وهي : الحمد للَّه الَّذي بدأ النّعم وأعادها ، وأفاء المنن وأفادها ، وزان المناصب السّنيّة بمن يليها وزادها ، وشاد عماد المعالي بأربابها وصانها عمّا دهى . نحمده على نعمه الَّتي بدأت بالمعروف وتمّمت ، وخصّصت بالإحسان وعمّمت ، وبرّأت من النّقائص وسلمّت ، وفلَّت بالألطاف الخفية صوارم الحوادث وثلَّمت ، ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة تضيء بها الحنادس ( 1 ) ، وتزكو بأنوائها منابت الإيمان والمغارس ، وتسمو باقتنائها إلى علَّيين النفوس النّفائس ، ويرغم المؤمنون بإعلائها من الكفار المعاطس ، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الَّذي تمّم للناس مكارم الأخلاق ، وأخجل بجود كفّه الفيّاض صوب الغيث الدّفاق ، وفضح البدر اللَّياح في الدّجى بنور جبينه البرّاق ، وتقدّم النّبيين والمرسلين في حلبة الشّرف على جواد فضله السّبّاق ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه أعلى من نصبوا للهدى أعلاما ، وأرقى من أصبح العلم لفضلهم الباهر رقّاما ، وأحلى من كان الزمان بوجودهم وجودهم للعفاة أحلاما ، وأقوى من كان الإيمان بهم إذا استنجد على الكفر أقواما ، صلاة لا ينفد لها أمد ، ولا يفنى لها مدد ، ما شبّ بارق وخمد ، وشفى الغمام طرف زهر من الرّمد ، وسلَّم تسليما كثيرا إلى يوم الدّين . وبعد ، فإنّ مدارس العلم الشريف لها الذكر الخالد ، والشّرف الطَّارف والتّالد ، بها تتبيّن فوارس الجلاد في مضايق الجدال ، وتتجلَّى بدور الكلام في مطالع الكمال ، وتبدو شموس الجمال فيما لها من فسيح المجال ؛ والمدرسة الناصرية - أثاب اللَّه تعالى واقفها - هي الواسطة في عقودها ، والدّرّة الثمينة بلا كفء لها بين قيم نقودها ، قد تدبّج فيها البناء ، وتأرجّ عليها الثّناء ، وتخرّج عنها الحسن فإنّ له بها مزيد اعتناء .

--> ( 1 ) الحنادس : الظلمات .