أحمد بن علي القلقشندي
341
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وكان فلان ممّن لحظ أمورها على بعد فشغف الملحوظ باللَّاحظ ، وحفظها على نأي فكأنّما روت بالإجازة عن الحافظ ، وأدار عليها من رشفات قلمه نغبة السّاقي ، وأنهلها شربة مضى بها ما مضى من تعدّد المال : وفي الجرائد باق يطلب الباقي ؛ وسأل أهلها بعد ذلك ملازمته للنّظر فلزموا ، ورفعوا قصصهم في طلبه لهذه الوظيفة فجزموا ؛ وكيف لا ؟ وهو نعم الناظر والإنسان ، وفي مصالح القول والعمل ذو اليدين واللَّسان ، وذو العزائم الَّتي تقيّدت في حبّه الرّتب : « ومن وجد الإحسان » ، والمتقدّم فعله ورأيه في العاجل والآجل ، والمأمون الَّذي يعزى إلى عقيلة نسبة الرشيد ولا عجب أن يعزى المأمون إلى مراجل ( 1 ) ؛ كم جرت ألسنة الأوقاف بأوصافه ، وكم روى الجامع الصحيح خبرا عن مسلَّم عفافه ، وكم جدّد لبنائه زخرفا بعد ما كاد نادب الرّسوم يقف على أحقافه ؛ كم وفّر على الأيتام ميراث وفرها ، وكم قال اختبار الملوك الباقية : « لأشكرنّك ما حييت » فقال ماضي الملوك ذوي الأوقاف : « ولتشكرنّك أعظمي في قبرها » - فاقتضى الرأي أن يجاب في طلبه المهمّ سؤال القوم ، وأن يتّصل أمس الإقبال باليوم ، وأن تبلغ هذه الوظيفة أملها فيه بعد ما مضت عليها من الدّهر ملاوة ، وهذه المدرسة الَّتي لولا تداركه لكانت كما قال الخزاعيّ : « مدارس آيات خلت من تلاوة » . ولذلك رسم بالأمر الشريف - لا زال يراعي مصالح المؤمنين - أن يفوّض إليه النّظر على هذه المدرسة المعمورة ، وأوقافها المبرورة ، إجابة لسؤال من فيها من جماعة الفقراء ورغبتهم فيه ، وارتقابهم لعزمه الَّذي إذا نظر حالها الأوّل تلا فيه تلافيه ؛ على أن يتّبع في أمرها شرط الواقف برأي غير قاعد ، وإن كان لا
--> ( 1 ) يشير إلى المأمون من هارون الرشيد وأمه مراجل ، وهي فارسية . قال في فوات الوفيات : « وأمه أم ولد تسمى مراجل » . وفي هامش ص 142 من الجزء الرابع من الأعلام - عن كتاب البدء والتاريخ - : وأمه باذغيسية ( بالذال المعجمة ) تسمى مراجل . وقد أورد صاحب وفيات الأعيان « بادغيس » بالدال المهملة .