أحمد بن علي القلقشندي
338
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الذين عفا شرف مفاخرهم وما عفا شرفه وفخره ، ووكر الإسلام الَّذي مضى لبد ( 1 ) أمثاله وما بقي إلَّا نسر السماء ونسره ؛ ذو المرأى الشارح والفضل المشروح ، والحسن الَّذي إن تغالى في وصف الجوامع قوم قيل : باب الزيادة مفتوح ؛ تفخر به دمشق وحقّ لها على كلّ مصر أن تفخر ، وتبعث نظرات حسنه الفخر من حملة فصوص الترخيم إلى الأسود والأحمر ؛ يحمد المجاور به مغناه وغناه ، ويسع أرباب العلم والمقاصد ناديه ونداه ، ويطالع المسك سطور مياهه المتجعّدة فأوّل ما يقرأ من تنبيه عزمه باب المياه ؛ وقد عهد أن يتولَّى نظره كلّ سنيّ المفاخر ، سريّ المآثر ، كريم الفرع والأصل ، ماضي العزم كالنّصل ، حائز من أقلامه أمد العلياء وقصب الخصل ( 2 ) ولذلك رسم بالأمر الشّريف - لا زال وجه الفضل بدولته الشريفة واضحا ، وميزان العدل والإحسان راجحا ، ولا زال في كنف من منّ به على الدّين والدنيا وآتاهما صالحا - أن يفوّض إلى فلان نظر الجامع الأمويّ المذكور : لما عرف من أنه الرئيس الَّذي ما ساد سدى ، والكامل الَّذي إذا آنس [ سار ] ( 3 ) نار فكرته وجد على النار هدى ، وأنّه باشر نظر هذا الجامع قديما فجمّله ، ورصد سناه فكمّله ، واستشهد في محضر ديوانه على النّزاهة أقلامه المعدّلة ، وتدبيره المعدّ له ، وكثرّ أوقافه وكانت قد اضمحلَّت ، وشيّد عمائره وكانت قد استقلَّت ، وملأ حواصله وكانت أقلام المكتسبة تنشد : « أسائلها أيّ المواطن حلَّت » ، ولما ألف هذا الجامع المعمور من عواطفه ، وعرف من عوارفه ، وشهد من جلوسه لمصالح وقفه أحسن اللَّه مكافأة جالسه وواقفه ، فأثبت في صدر المحافل أنّ اللَّه
--> ( 1 ) لبد : اسم آخر نسور لقمان بن عاد ؛ سمّاه بذلك لأنه لبد فبقي لا يذهب ولا يموت كاللَّبد من الرجال اللازم لرحله لا يفارقه . قال النابغة : أضحت خلاء وأضحى أهلها احتملوا أخنى عليها الذي أخنى على لبد ( اللسان : 3 / 386 ) . ( 2 ) الخصل في النضال : الخطر الَّذي يراهن عليه . ( 3 ) الزيادة من الطبعة الأميرية .