أحمد بن علي القلقشندي
27
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
واصل ، وما فيها من دخائر ، وما في خزائنها العالية من مدد البحر الزّاخر ، وما تشتمل عليه دار الضّرب من أموال تضرب للهبات برسمنا ، وأموال الناس الَّتي حملت إليها لتشرّف نقودها باسمنا ، وخزائن السلاح المنصورة وما يستكثر فيها من عدد ، وما يستغزر من مدد ، والمجانيق الَّتي تخطر منها كلّ خطَّارة كالفنيق ( 1 ) ، وتصعد ومرماها إلى السماء كأنّما تخطفه الطَّير أو تهوي به الرّيح في مكان سحيق ، شائلة عقاربها ، آفلة بالأعمار كواكبها ، والحدوج ( 2 ) والقسيّ والرايات وغير ذلك من سلاح ، أو دروع تردّ السّهام على أعقابها وتحني قامات العوالي وتضيّق صدور الصّفاح . والبحريّة ( 3 ) وغيرهم من رجال هذه القلعة المحروسة من نجوم آفاقها ، وغيوم إرعادها وإبراقها ، وديمها إذا أسبلت المسالمة ذيولها وأعوانها إذا شمّرت الحرب عن ساقها . وبقيّة المستخدمين وأرباب الصنائع الذين هم عمارة أوطانها ، وأمارة العناية بها من سلطانها ، فكل ذلك مذخور لمنافع الإسلام ، وما ريش السّهم لأنّه في كل ساعة يرمى ولا طبع السيف لأنه في كل بارقة يشام ؛ فاحفظ لأوقاتها تلك الموادّ المذخورة ، والحظ هؤلاء الرجال فإنهم ظهر العساكر المنصورة ، وخذ بقلوبهم وأوصل إليهم حقوقهم ، واجمع على طاعتنا الشريفة متفرّقهم وأكرم فريقهم ؛ ومنهم المماليك السلطانية وهم إخوانك في ولائنا ، والذين تشركهم في آلائنا ، وبالغ في حفظ المعتقلين في سجونها ، ولفظ المعتقدين خلافا في مكنونها ؛ ونحن نعيذها باللَّه أن نقول : تفقّدها بالترميم والإصلاح ، ولكنّا نامرك أن تتعهّدها بما تتعهّده من الزّين الملاح ؛ ولك من معاضدة من في ذلك الإقليم ، من لك برأيه طريق مستقيم ،
--> ( 1 ) الخطَّارة : المقلاع ، والمنجنيق . والفنيق من الإبل : الفحل . والمراد بالخطَّارة هنا القذيفة القوية باندفاعها كفحل الإبل . ( 2 ) في المعاجم الَّتي بين أيدينا وجدنا الحدج بمعنى المركب كالهودج والمحفّة . وحدجه : رماه بالحدج ، وهو الحنظل . ولعل المراد بالحدوج نوع من السلاح يرمي قذائف صغيرة كالحبات . ( 3 ) البحرية : طائفة من الأجناد السلطانية ؛ كان عملهم المبيت بالقلعة وحول دهاليز السلطان في السفر كالحرس . وأول من رتب هذه الطائفة وسماها بهذا الاسم هو السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب . ( راجع الصبح : 4 / 16 ) .