أحمد بن علي القلقشندي
265
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وسدّد مقاصد أصفيائنا في كلّ أمر فما شغلوا بمسرّة سرّ إلا وكانت من أقوى أسباب التّمرّن على خوض الغمرات العظام ، واقتحام الحرب اللَّهام ، واشتمال جلابيب الدّجى في مصالح الإسلام . نحمده على نعمه الوسام ، وأياديه الجسام ، وآلائه الَّتي ما برحت بها ثغور المسارّ دائمة الابتسام ، ونشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة تعصم من الزّلل ، وتؤمّن من الزّيغ والخلل ، وتلبس المتمسّك بها من أنوار الجلالة أبهى الحلل ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المنزّه عن الهوى ، المخصوص بالوحي الَّذي علَّمه شديد القوى ، الدّالّ على اعتبار الأعمال بصّحة القصد بقوله صلَّى اللَّه عليه وسلم : « إنّما الأعمال بالنّيات وإنّما لكلّ امريء ما نوى » ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين وفّق الإخلاص مساعيهم ، ووفّر الإيمان دواعيهم ، صلاة دائمة الاتّصال ، مستمرّة الإقامة بالغدوّ والآصال ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإنّه لمّا كان رمي البندق من أحسن ما لهت به الكماة ، في حال سلمها ، ومن أبهج ما حفظت به الرّماة ، حياة نفوسها وعزّة عزمها ، على ما فيه من اطَّراح الراحة واجتنابها ، واستدعاء الرّياضة واجتنائها ، وخوض الظَّلمات في الظَّلام ، وتوخّي الإصابة في غمرات الدّجى الَّتي تخفى فيها المقاتل على حدق السّهام ، وارتقاب ظفر ، يسفر عنه وجه سفر ، ومهاجمة خطر ، تفضي إلى بلوغ وطر - وله شرائط تقتضي التقدّم بين أربابه ، وقواعد لا يخالفها ( 1 ) من كان مبرّزا في أصحابه ، وأدوات كمال ، لا بدّ للمتحلَّي بهذه الرّتبة منها ، وحسن خلال ، تهدر أعمال من بعد عليه مرامها وقصرت مساعيه عنها ، وعوائد معلومة ، بين أرباب هذا الشّأن وكبرائه ، ومقاصد مفهومة ، فيما يتميز به المصيب الحاذق على نظرائه . ولمّا كان الجناب العالي الفلانيّ ممّن يشار إليه في هذه الرتبة ببنان
--> ( 1 ) في الأصل « في مخالفها » . والتصحيح من الطبعة الأميرية .