أحمد بن علي القلقشندي
264
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
رعايتنا ، وحضانة عنايتنا ، وكنف إحساننا ، ووديعة برّنا وامتناننا ؛ لا تطمح إليها عين معاند ، ولا يمتدّ إليها إلَّا ساعد مساعد وعضد معاضد . فليقابل هذه النّعمة بشكر اللَّه الَّذي هداه إلى الطاعة ، وصان بإخلاص ولائه نفسه ونفائس بلاده من الإضاعة ، وليقرن ذلك بإصفاء موارد المودّة ، وإضفاء ملابس الطاعة الَّتي لا تزداد بحسن الوفاء إلا جدّة ، واستمرار المناصحة في السّرّ والعلن ، واجتناب المخادعة ما ظهر منها وما بطن ، وأداء الأمانة فيما استقرّ معه الحلف عليه ، ومباينة ما يخشى أن يتوجّه بسببه وجه عتب إليه ، واستدامة هذه النّعمة بحفظ أسبابها ، واستقامة أحوال هذه المنّة برفض موجبات الكدر واجتنابها ، وإخلاص النّيّة الَّتي لا تعتبر ظواهر الأحوال الصالحة إلَّا بها . ومن ذلك ما يكتب به لحكم رماة البندق ( 1 ) . قد جرت العادة أنه إذا كان للسلطان عناية برمي البندق ، أقام لرماته حاكما من الأمراء الذين لهم عناية برمي البندق . وهذه نسخة توقيع من ذلك : الحمد للَّه الَّذي خصّ أيّامنا الزاهرة ، باستكمال المحاسن في كلّ مرام ، وجعل [ من ] أولياء دولتنا القاهرة ، من أصاب من كلّ مرمى بعيد شاكلة الصّواب حتّى أصبح حاكما فيه بين كلّ رام ، وجمع لخواصّنا من أشتات المفاخر ما إذا برزوا فيه للرياضة ليلا [ أغنت ] ( 2 ) قسيّهم عن الأهلَّة ورجومها عن رجوم الظَّلام ،
--> ( 1 ) البندق : كرات تصنع من الطين أو الحجارة أو الرصاص أو غيرها ؛ وهي فارسية بلفظها واستعمالها ، ويسمونها أيضا « الجلاهقات ، جمع جلاهق » ؛ فكان الفرس يرمون هذا البندق عن الأقواس كما يرمون النبال ، واقتبس العرب هذه اللعبة في أواخر أيام عثمان بن عفان وعدّوا ظهورها في المدينة منكرا ، ثم ألفوها حتى شكلوا فرقا من الجند ترمي بها . ( تاريخ التمدّن الإسلامي : 5 / 180 ومصطلحات صبح الأعشى : 68 ) . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية .