أحمد بن علي القلقشندي
26
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
موارد تردها من زرد الدروع عيون ، ويفرّق منها المجانيق سحائب ممطرة بالمنون ، فصمّم رأينا الشريف على اختياره ليوقّل ( 1 ) صهوة هذا الجواد ، ويوفّي ما يجب لهذه العقيلة من مرتمق لحظ ومرتمى فؤاد ، ويبحث من الشغف بها عن أمل آمل أو مراد مراد ، ويعجب من عقيلتها المصونة أن أبراجها تتبرّج وما لنعماها إنعام ولا لسعادها إسعاد . فرسم بالأمر الشريف العالي المولويّ ، السّلطانيّ ، الملكيّ ، الفلانيّ - أعلاه اللَّه وشرفه ، وأدام في الأرض ومن عليها تصرّفه - أن تفوّض إليه النيابة بقلعة دمشق المحروسة : على عادة من تقدّمه وقاعدته ، ومقاربته ومباعدته ، وتخلَّيه ومساعدته ، وكل ما جرت به العوائد في رجائها ورجالها ، ومالها ومآلها ؛ وهذه نيابة شريفة ، وسحابة مطيفة ، ونعمة تقابل برعايتها ، وتكتم نوافجها ( 2 ) بإذاعتها ؛ وتقوى اللَّه حلية عنقها ، وحلَّة أفقها ، ومجرى المجرّة إجلالا في طرقها . فعليك بحفظها ليلا ونهارا ، وتفقّد أحوال من فيها سرّا وجهارا ، وفتح بابها وغلقها مع الشمس ، وتصفّح ما بها من لبس ، وتتبّع أسبابها كما في النفس ، والتّصدّي لملازمة الخدمة الشريفة في أبوابنا العالية ببابها ، والأخذ في أدوات حفظها بمجامع أطرافها دون التمسك بأهدابها ، والتّجسّس على من يلمّ فيها جفنه بكرى وما أثقله مناما ، وإلزام كلّ واحد بما يلزمه من الوظائف في ليله ونهاره ، وإدلاجه وابتكاره ، ومن عليه في هذا المعقل إشراف من شرفاته أو تسوّر على أسواره ، وإظهار الرّهج ( 3 ) والصّيت والسمعة بالاهتمام في كلّ ليلة بزفاف عروسها ، وضرب الحرس لنواقيسها ، والإعلان لصباح الخير لنا في صبحاتها والدعاء الصّالح في تغليسها ( 4 ) ، وصيانة ما فيها من حواصل ، أو يصل إليها من
--> ( 1 ) أي ليصعد . وتوقّل في الجبل : صعّد فيه . ( 2 ) النافجة : الريح الشديدة الهبوب ؛ ووعاء المسك في جسم الظبي . الجمع : نوافج . ( 3 ) الرّهج لغة في الهرج وهو الشغب . والمراد : الصوت المرتفع . ( 4 ) أي في ليلها .