أحمد بن علي القلقشندي

256

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

عند اللَّه هجرته الَّتي كانت على الحقيقة إلى اللَّه ورسوله ، وسلك في طريق خدمته الشّريفة أحسن السّلوك ، وانتهت به ( 1 ) السّعادة إلى خدمة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ليعرض بجوهرها الأعلى عن عرض خدمة الملوك ، وفاز من مجاورة الحجرة الشريفة بما عظمت عليه [ به ] ( 2 ) المنّة ، وحلّ به مما بين القبر والمنبر في روضة من رياض الجنّة ، وأقام في مقام جبريل ، ومهبط الوحي والتنزيل ، يتفيّأ ظلال الرّحمة الوارفة ، ويتهيّأ من تلك النّعمة بالعارفة بعد العارفة - تعيّن أن يكون هو المحلَّى بعقود مشيخة ذلك الحرم ، والمتولَّي لمصالح هذه الطائفة الَّتي له في التّقدّم عليهم أثبت قدم . فرسم بالأمر الشريف لا زال . . . أن تفوّض إليه المشيخة على خدّام الحرم الشريف النّبويّ : للعلم بأنّه العامل الورع ، والكافل الَّذي يعرف أدب تلك الوظيفة : من خدمة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم - على ما شرع ، والزّاهد الَّذي آثر جوار نبيّه على سواه ، والخاشع الَّذي نوى بخدمته الدّخول في زمرة من خدمه في حياته : « ولكلّ امريء ما نواه » . فليستقرّ في هذه الوظيفة الكريمة قائما بآدابها ، مشرّفا بها نفسه الَّتي تشبّثت من خدمته الشريفة بأهدابها ، سالكا في ذلك ما يجب ، محافظا على قواعد الورع في كلّ ما يأتي وما يجتنب ، قاصدا بذلك وجه اللَّه الَّذي لا يخيّب لرابح أملا ، ولا يضيّع أجر من أحسن عملا ، ملزما كلَّا من طائفة الخدّام بما يقرّبه عند اللَّه زلفى ، ويضاعف الحسنة الواحدة سبعين ضعفا ، هاديا من ضلّ في قوانين الخدمة إلى سواء السبيل ، مبديا لهم من آداب سلوكه ما يغدو لهم منه أوضح هاد وأنور دليل ؛ ، وفيه من آداب دينه ما يغني عن تكرار الوصايا ، وتجديد القضايا ؛ واللَّه تعالى يسدّده في القول والعمل ، ويوفّقه لخدمة سيّد المرسلين صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وقد فعل ؛ بمنّه وكرمه .

--> ( 1 ) في الأصل « إليه » . ( 2 ) الزيادة من الطبعة الأميرية .