أحمد بن علي القلقشندي
25
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
مستنقع الموت رجلها ، وكشفت للحرب العوان قناعها ، وأشعلت أبنيتها من الذهب شعاعها ، وأشغلت أفنيتها البروق أن تطاول باعها ، أو تحاول ارتفاعها ؛ قد جاورت قبّتها الزّرقاء أختها السّماء ، وجاوزت بروجها منطقة البروج اعتلاء ، وهي معقل الإسلام يوم فزعهم ، وأمن قلوبهم أعاذها اللَّه من جزعهم ؛ وقد نزل العدوّ عليها ونازلها زمانا بجموعه وأعانه عليه قوم آخرون ، وأقدموا وتقدّموا وهم متأخّرون ، وطاولوها فكانت حسرة عليهم ، ونكالا لما خلفهم وما بين يديهم ، وثبّت اللَّه بها أقدام بقيّة القلاع ، وقوّى بعزائمها إقدام من فيها على الامتناع ؛ وقلعة الجبل ( 1 ) المحروسة وإيّاها كالأختين ، وهي لها ثانية اثنين ، وكلتاهما لكرسيّ ملكنا الشريف منزل سعيد ، ومتنزّه يودّ صفيح الأفلاك لو ترامى إليه من مكان بعيد . فلمّا رسمنا بنقل من كان في النيابة الشريفة بها في منازلها من مكان إلى مكان ، وقدّمناه أمامها كما يهتزّ في قادمة الرمح السّنان ، واتّخذنا من بروق عزائمه لبعض ثغورها الضاحكة شنبا ، ومن هممه المتّصلة المدد بها ما نمدّ منها إلى سمائها سببا - اقتضى رأينا الشريف أن نعوّل في أمرها المهم ، وبرّها الذي به مصالح كثير من ممالكنا الشريفة تتم ، ونحلَّي مشارفها بمن تضاحك البروق سيوفه في ليل كلّ نقع مدلهم ، ونحمي حماها برجل تمنع مهابته حتّى عن نقل الأسنة ( ؟ ) طارق الطَّيف أن يلم ؛ وهو الَّذي لا تزعزع له ذرا ، ولا يناخ لبادرة سيله في ذرا ، ولا يقدر معه الأسد أن يبيت حول غابه مصحرا ، ولا الطَّير أن يحلَّق إليه إلا ماسحا بجناحه على الثّرى ، ولا أدلجت إليه زمر الكواكب إلا تقاعست فلا تستطيع السّرى . وكان فلان هو حامي هذا الحمى ، ومانع ما يحلو في الثّغور من موارد اللَّمى ، وغيور الحيّ فلا تبرز له إلا من عقائل المعاقل قاصرات الطَّرف كالدّمى ، وحافظ ما استودع من مصون ، واستجمع من حصون ، واستجهر من
--> ( 1 ) قلعة الجبل بالقاهرة .