أحمد بن علي القلقشندي
245
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
تأخير خليفة وتقديم خليفة ، وأهمل حقوقا عواقبها مع اللَّه تعالى ورسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم مخيفة ، وأوهم عقوقا لأصحابه بل له لقوله : « دعوا لي أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مدي أحدهم ولا نصيفه » . وبقي يتّصل بنا في هذا المعنى ما لا يقال ممّا يقال عنهم ، ويصل أذاهم إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في صاحبيه وقد قال : « إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما يرون النّجم الطالع في أفق السماء ، وإنّ أبا بكر وعمر منهم » يطلبون في التقديم على من قدّمه اللَّه ردّ فائت ما جرى به القدر ( 1 ) ، ويضربون صفحا عما لا أراده اللَّه ولا رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في قوله : « لا أدري ما قد بقي لي فيكم فاقتدوا باللَّذين من بعدي : أبي بكر وعمر » . مع ما أضيف إلى هذا من قوادح نواب ، وفواتح أبواب ، وحوادث تزعج مقرّ النبوّة أنباؤها ، وتمتدّ على مشارق الأنواء ظلماؤها ، وتغيّر عوائد الوفود في كرامة زائرهم ، وإدامة بشاشة الملتقى لسائرهم ، وأمن سربهم أن يراع ، وشربهم أن يتمثّل به لغير برق شعاع ، وضمّهم إلى ذلك الحمى الَّذي لا يضام نزيله ، ولا يرام في طريق المجرّة سبيله ، ولا يضلّ سار إليه ووجوه سكَّان الحمى دليله ، ولا يضيع وقد تلقّاه من النّسيم بليله بليله ، ولا يقف وقفة المريب وضوء الصباح من أيمن النّقا قنديله ، ولا يخشى وشعب ذلك الحيّ شعبه وقبيله قبيله ، وإراحة ركابهم الَّتي أزعجها حادي السرى ، وإمتاعهم بقرب الجوار عوضا من دموعهم عمّا جرى . فلمّا لم يبق لمن أشرنا إليه - ممّن أعطانا عهد موثقه ، وسار لا يريد إلا نقاء نقاه وبراءة أبرقه - إلَّا أن يحطَّ بالمدينة الشريفة ركابه ، ويبعد الشّكوى مما لا عهد من معاهدها اقترابه - أصرّ من فيها من ذوي قرابته ( 2 ) على منعه أن
--> ( 1 ) في هامش الطبعة الأميرية : « مراده يطلبون في تقديم عليّ ردّ فائت ما أراده اللَّه من تأخيره عنهما ، ويتركون أيضا ما ورد في الحديث من الأمر بالاقتداء بعده بأبي بكر وعمر . إلا أن العبارة سطت عليها يد الناسخ فزادت فيها ما غيّر مبناها وشوّش معناها » . ( 2 ) الإشارة إلى ابن أخي وديّ وهو طفيل بن منصور بن جمّاز .