أحمد بن علي القلقشندي
246
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
يدخلها إلَّا بقتال يخلّ مقاعد الحرم ، ويحلّ معاقد ( 1 ) الحرم ، ويشعل نارا يصلى بها من لم تمتدّ له يد إليها إلى وقود ، ويروع من الآلف فيها من يمتدّ له في غير مراتع غزلان النّقا سجاف قيام معقود ، وقدم إلى أبوابنا العالية من كان فيها مقيما ، وأنعمنا عليه بإبقاء النّصف ففاته الكلّ لمّا لم يقنع أن يكون قسيما ؛ فأبت حميّتنا للَّه ولرسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ولتلك المواطن المعظمة إلَّا أن نطهّرها مما أسبلت على سريره أذيالها ، وما أطاقت على مضضه الأليم احتمالها . فرسم بالأمر الشريف - لا زال قدره عاليا ، وبرّه لا يخلّ بوديّ ولا يخلي مواليا - أن تفوّض إليه إمرة المدينة الشّريفة النبويّة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام : مستقلَّا بأعبائها ، مستهلَّا سحابه على أرجائها ، إمرة تستوعب جميعها ، وتستوعي لمراسمه رباها وربوعها وعاصيها ومطيعها ، وتهائمها ونجودها ، وقريبها وبعيدها ، وكلّ ما يدخل لها في حدّ ، وينتظم لها في عدّ ، وأهل حاضرتها وباديتها ، وما تقف عليه من السّحب ركائب رواعيها وغاديتها ، ومن تتبسّم بهم ثناياها ، وتتنسّم لهم أرواح بكرها وعشاياها ، ومن يضمّهم جناحها المفضّل ، ويلمّهم وشاحها المفصّل ، ويجمعهم جيشها السائر ، ويلفّهم في شملة الدّجى قمرها الزّاهر - تفويضا يدخل فيه كلّ شريف ومشروف ، ومجهول ومعروف ، ومستوطن من أهلها ، وغريب انتهت [ به ] إليها مطارح سبلها ، ما فيه تأويل ، ولا تعليل ، ولا استثناء ، ولا انثناء ، ولا تخرج منه الأرض المغبّرة ولا الرّوضة الغنّاء ، لا شبهة فيه لداحض ، ولا حجّة لمعارض ؛ يستقلّ بها جميعها بدره التمام ، وبرّه الغمام ، وبحره الَّذي يأبى فريده أن يؤاخى في نظام ، وأمره الَّذي يتلقّى به عن الثقة من سادات بيته مقاليد الأحكام ، وتقاليد ما يجري به القلم ويمضي السيف الحسام ، إفرادا في التحكيم ، وأنفة لمثله من ضرر التّقسيم ، وفرارا من الشّركة ( 2 ) المشتقة من الشّرك :
--> ( 1 ) في الأصل « مقاعد » وهو تصحيف . والتصحيح من الطبعة الأميرية . ( 2 ) مرّ معنا أن إمرة المدينة كانت نصفين ، كما أن إمرة أعراب بلاد الشام كانت أحيانا مناصفة ومثالثة ومرابعة ؛ وفي ذلك كانت تصدر من الأبواب السلطانية تقاليد شريفة . أما أن يرى كاتب التقليد هنا في الشركة معنى مكروها مشتقا من الشرك فهو من قبيل تبرير الأوامر السلطانية وأن يجري قلمه بمقتضى الحال .