أحمد بن علي القلقشندي
242
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
بينهم : فإنّه إنّما يقطع لمن قضى له أو عليه قطعة من نار ، ولا عالما يرفع له علم ، ولا يفتح لهم بفتوى على مذاهبهم فم ، حتّى ولا ما يتحرّك به في فم الدواة القلم . وليطهّر هذا المسجد الشريف من دنسهم ، وليمط ما يحمله أديم مجلدات التّصانيف من نجسهم ؛ وسكَّان هذا الحرم الشريف ومن أقام عندهم من المجاورين ، أو خالطهم من زمر المقيمين والسائرين ، يحسن لأمورهم الكفالة ، ولا يتعرض لأحد منهم بما يؤذي نفسه ولا يناله ؛ فهم في جوار نبينا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وفي شفاعته ، وكلّ منهم نزيل حرمه ومكثّر سواد جماعته ، وحقّهم واجب على كل مسلم فكيف على حامي ذلك الحمى ، بل من له إلى نسبه الشّريف منتمى . واصحب رفيقك بالمعروف فإنّكما مفترقان والسعيد من لا يذمّ بعد فراقه ، ومستبقان إلى كلّ مورد لا يدرى أيّكما المجدّ في سباقه ، ومتّفقان على فرد أمر وأفضلكما من دوام صاحبه على إرفاقه ، وصحبه على وفاقه . وأمّا ما للمدينة الشريفة من تهائم ونجود مضافة إليها ، ومستظلَّة بجدرها أو متقدّمة في الصّحراء عليها ، فهي ومن فيها : إما أن توجد بقلوبهم فهم أعوان ، وإما أن تنفر فهم أشبه شيء بالإبل إذا نفرت تعلَّق بذنب كلّ بعير شيطان ؛ فأقربهما إلى المصلحة تقريبهم ، وتأليفهم بما يقرب به بعيدهم ويزداد قربى قريبهم ؛ والرّكبان الَّتي تتّقد بهم جمرات الأصباح ( 1 ) والعشايا ، ويعتقد كلّ منهم في معاجه إلى المدينة الشريفة أنّ تمام الحجّ أن تقف عليها المطايا ؛ فهم هجود سرى ، ووفود قرى ، وركود في أفق الرّحال خلعت مقلهم على النجوم الكرى ، ومعهم المحامل الشريفة الَّتي هي ملتفّ شعابهم ، ومحتفّ ركابهم ، وهي من أسرّتنا المرفوعة ، ومبرّتنا المشروعة ؛ فعظَّم شعائر حرماتها ، وقبّل أمام منابرها الممثلة مراكز راياتها ، وأكرم من جاء في خفارتها ، ومن جال في دجى اللَّيل لا
--> ( 1 ) في الأصل « الأجناح » . والتصحيح من الطبعة الأميرية .