أحمد بن علي القلقشندي
234
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الحرم بتعظيم حرماته ، وسرور جوانبه بما يلوح من البشر على قيماته ، ولأنّه أحقّ بني الزّهراء بما أبقته له آباؤه ، وألقته إليه من حديث قصيّ جدّه الأقصى أنباؤه ؛ وهو أجدر من طهّر هذا المسجد من أشياء ينزه أن يلحق به فحش عابها ( 1 ) ، وشنعاء هو يعرف كيف يتتبّعها « وأهل مكَّة أعرف بشعابها » . فليتلقّ راية هذه الولاية باليمين ، وليتوقّ ما يتخوّف به ذلك البلد الأمين ؛ وليعلم أنّه قد أعطى اللَّه عهده وهو بين ركن ومقام ، وأنّه قد بايع اللَّه : واللَّه عزيز ذو انتقام ؛ وليعمر تلك المواطن ، ويغمر ببرّه المارّ والقاطن ، وليعمل في ذلك بما ينجّث عنه نجاره ( 2 ) ، ويأمن به سكَّان ذلك الحرم الَّذي لا يروّع حمامه فكيف جاره ، ولينصت إلى اسمه [ عز وجلّ ] حيث يعلن به الدّاعي على قبّة زمزم في كلّ مساء وليعرف حقّ هذه النّعمة ، وليعامل من ولَّي عليهم بما يليق أن يعامل به من وقف تحت ميزاب الرّحمة ؛ وقد أكد موثقه واللَّه اللَّه في نقضه ، ومدّ يده على الحجر الأسود يمين اللَّه في أرضه ؛ وليتبصّر أين هو فإنّ اللَّه قد استأمنه على بيته الَّذي بناه ، وسلَّمه إليه بمشعره الحرام ومسجد خيفه ومناه ؛ وإنّه البيت المقصود : وكلّ من تشوّق حمى ليلى فإنّما قصده أو لعلع بلعلع ( 3 ) فإنّما عناه ؛ وفي جمعه يجتمع كلّ شتيت ، وفي ليالي مناه يطيب المبيت ، وبمحصّبه ( 4 ) تقام المواسم ، وتفترّ الثّغور البواسم ، وتهبّ من قبل نعمان الرّياح النّواسم ، وفي عقوة ( 5 ) داره محطَّ الرّحال في كلّ عام ، ومعرّ كل
--> ( 1 ) العاب : الوصمة . والجمع : أعياب وعيوب . ( 2 ) نجّث : استخرج . والنجار : الأصل . ( 3 ) لعلع السراب : برق ولمع . والرعد : صوّت . ولعلع فلان من كل شيء : ضجر . واللعلع : السراب . ولعلع : جبل ، وقيل ماء في البادية ، وقيل : منزل بين البصرة والكوفة . ( انظر معجم البلدان : 5 / 18 ولسان العرب : مادة « لعلع » ) . ( 4 ) المحصّب : موضع بين مكة ومنى . والمحصّب أيضا : موضع رمي الجمار بمنى ، وهو من رمي الحصباء . ( معجم البلدان : 5 / 62 ) . ( 5 ) العقوة : الموضع المتّسع أمام الدار .