أحمد بن علي القلقشندي

235

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ذات عود تجذب بقلع وعوذ ( 1 ) تقاد بزمام ، وإليه تضرب التّجار البراريّ والبحار ، وتأتيه الوفود على كلّ قطار يحدى من الأقطار ؛ وكلّ هؤلاء إنّما يأتون في ذمام اللَّه بيته الَّذي من دخله كان آمنا ، وإلى محلّ ابن بنت نبيّه الَّذي يلزمه من طريق برّ الضيف ما أخذ لهم وإن لم يكن ضامنا . فليأخذ بمن أطاع من عصى ، وليردع كلّ مفسد ولا سيما العبيد فإنّ العبد المفسد لا يزجره إلا العصا ، وليتلقّ الحجّاج بالرّحب والسّعة ، فهم زواره وقد دعاهم إلى بيته وإنّما دعاهم إلى دعة ، وليتلقّ المحمل الشريف والعصائب المنصورة ، وليخدم على العادة الَّتي هي من الأدب مع اللَّه تعالى معنى ومعنا صورة ، وليأخذ بخواطر التّجار فإنّهم سبب الرّفق لأهل هذا البلد وتوسعة ما لديهم ، والمستجاب فيهم دعوة خليله إبراهيم - صلوات اللَّه عليه - إذ قال : * ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) * ( 2 ) ولا تتحيّف أموالهم بغرامة يقلّ بها الغنم ، ولا بظلامة فإنّه بإزاء هذا البيت الَّذي يردّ دونه من أراد فيه إلحادا بظلم ؛ ولينظر كيف حبس دونه الفيل ، وليكفّ عادية من جاوره من الأعراب حتّى لا يخاف ابن سبيل ، وليقم شعائر الشّرع المطَّهر ، وأوامر أحكامه الَّتي قامت بأبويه : بحكم جدّه سيدنا محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وسيف أبيه حيدر ، وليأمر طوائف الأشراف وأشياعهم وسائر أهل موالاتهم وأتباعهم بلزوم ما كان عليه صالح السّلف وما عليه الإجماع ، وتجنّب ما كانت الزّيديّة زادت فيه وكفّ الأطماع ، وليتّق اللَّه فإنّه مسؤول لديه عما استرعاه وقد أصبح وهو له راع ؛ وإيّاه أن يتّكل على شرف بلده ، فإن الأرض لا تقدّس أحدا ، أو شرف محتده ، فإن في يوم القيامة لا ينفع ولد والدا ولا والد ولدا . الوظيفة الثانية ( قضاء مكَّة ، ويكتب به توقيع في قطع الثلث ب الساميّ « بالياء ) وهذه نسخة توقيع بقضاء مكَّة المشرّفة :

--> ( 1 ) العوذ : النوق إذا كانت حديثة عهد بالنّتاج . ( 2 ) إبراهيم / 37 .