أحمد بن علي القلقشندي

229

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

في الدنيا ليأمن في الآخرة ؛ ومن أخاف عاكف حرم اللَّه وباديه فقد باء بالأفعال الخاسرة ، ومن عظم شعائر اللَّه فقد رفل في حلل الإقبال الفاخرة . نحمده على ألطافه الباطنة والظَّاهرة ، ونشكره ونرجوه وما زال ينجح راجيه ويزيد شاكره ، ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة من اتخذ الحق ناصره وأودع إخلاصها ضمائره ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الَّذي بعثه اللَّه من الحرم فألَّف القلوب النّافرة ، وفتح مكَّة فطهّرها من الزّمرة الكافرة ، وقال في ذلك اليوم : « من أغلق عليه بابه فقد أمن » فأمسى أهلها ونفوسهم بالأمن ظافرة ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله بني الزهراء العترة الزاهرة ؛ وعلى صحبه النّجوم السافرة ، وسلَّم تسليما كثيرا . أمّا بعد ، فإنّ الحكم [ بالعدل ] ( 1 ) شعارنا ، وباللَّه اقتداؤنا واقتدارنا ، وفي الإحسان رغبتنا ، وفي كلّ عنق منّتنا ، نصفح ونمنح ، ونرعى من أمسى قديم الهجرة في ولايتنا وأصبح ، ونقيم من أهل البيت لحفظ ذلك البيت الأصلح فالأصلح ، ونقدّم من لم يزل مقدّما وإلى صوب الصواب يجنح فينجح ، وننجي من الهلكة من لاح له منهج الخير فسلكه فأفلح . وكانت مكَّة المعظمة هي أمّ القرى ، والبلد الأمين المجزل فيه القرى ؛ نشأ الإسلام في بطحائها ، وحرّمها اللَّه فلا ينفّر صيدها ، ولا يعضد ( 2 ) شجرها ، ولا تحلّ لقطتها ( 3 ) إلَّا لمنشد تأكيدا لتشريفها وإعلائها ، وطلعت شمس النّبوّة من شعابها ، وغسلت الذّنوب بوبل سحابها ؛ فيها زمزم وكزة جبريل ( 4 ) ، وفيها

--> ( 1 ) الزيادة يقتضيها السياق . ( 2 ) عضد الشجرة : قطعها بالمعضاد ، وهو حديدة تجذب بها فروع الشجر وتمال فتقطع أو تكسر . ( 3 ) اللَّقطة : الشيء الَّذي تجده ملقى فتأخذه . والمنشد هو المعرّف الَّذي يعرّف الدابة الضالَّة إلى صاحبها . ( انظر اللسان : 3 / 422 ) . ( 4 ) ومن أسماء زمزم : ركضة جبرائيل ، وهزمة جبرائيل . والغمزة بالعقب في الأرض يقال لها هزمة ووكزة . ولبئر زمزم أسماء أخرى . ( انظر معجم البلدان : 3 / 147 ) .