أحمد بن علي القلقشندي
230
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
بدأ الوحي والتّنزيل ، وإليها أعنقت ( 1 ) الرّكاب ففي كلّ أبطح للمطيّ مسير ومسيل ؛ فكم أتى إليها من سائر الناس سائر ، وكم أتى إليها الناس رجالا وعلى كلّ ضامر ؛ فالرّحمة مستقرّة بين نواحيها والعيون تتملَّى بأنوار تلك الأستار حتّى تجتليها ، والشّفاه تتشرّف بتقبيل ذلك الحجر الَّذي يشهد لها في غد ويقيها ، فطوبى لمتّقيها ، وسحقا لمن أخاف وفد اللَّه فيها ؛ ونحن قد بصّرنا اللَّه بخدمة بيتها المحرّم ، وحرمها المعظَّم ، وكرّر إليها حجّنا وكرّمه ، فللَّه الحمد أن كرّر حجّنا وكرّم ؛ وما برحنا نقيم في إمارتها من العترة النّبويّة كلّ شريف النّسب ، وكلّ من يكتسب فيها رضا اللَّه تعالى : وكلّ آمريء وما اكتسب ؛ فمن أصلح منهم أقمناه ، ومن حاد عن الطاعة وجحد النّعمة أزلناه ، ومن أخاف فيه السبيل لم نجعل له إلى الخير سبيلا ، ومن استقام على الطريقة توكَّلنا على اللَّه وولَّيناه ، وكفى باللَّه وكيلا . وكان فلان هو الَّذي ما زالت خواطرنا الشريفة تقدّمه على بني أبيه ، وتختاره أميرا وتجتبيه ؛ وربّما سلفت من بيته هنات صفحنا عنها الصّفح الجميل ، وما قابلناهم إلا بما يليق لمجدهم الحسنيّ الحسن الأصيل ؛ والإمرة وإن كانت بيد غيره هذه المدّة فما كان في الحقيقة أمير عندنا سواه ، لأنّه كبير بيته المشكور من سائر الأفواه . والآن قد اقتضت آراؤنا الشريفة أن نقيمه في بلده أميرا مفردا إليه يشار ، وأن نصطفيه - وإنّه عندنا لمن المصطفين الأخيار - وأن نجعل الكلمة واحدة ليأمن النّزيل والجار ؛ ومتى تجاذب الأمر كلمتان فسد نظامه ، ومتى أفرد الحكم حسنت أحكامه ، ومتى توحّد الأمر زال الاختلاف ، وزاد الائتلاف ، وأقبلت أيّامه . فلذلك رسم بالأمر الشّريف أن تفوّض إليه إمرة مكَّة المشرّفة ، على عادة
--> ( 1 ) أعنقت الركاب : أسرعت .