أحمد بن علي القلقشندي

223

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

طريق ، ووهبنا في الملك النّسب العليّ العريق ، والحسب الَّذي هو بالتّقديم والتّحكيم حقيق ، وقلَّدنا من عهد بيعة السّلطنة ما لحمده في الآفاق تطريق ، ولعقده في الأعناق تطويق ، ففيّأنا من شجرة هذا البيت الشريف النّاصريّ المنصوريّ كلّ غصن وريق ، وهيّأ للبريّة تكريما عميما بتقديم من له المجد يتعيّن وبه السّؤدد يليق ، وأطلع في أفق أعزّ الممالك علينا من بيتنا شهاب علا هو للبدر في الكمال والجمال شبيه وشقيق ، وأطعنا أمر اللَّه تعالى في معاملة الولد البارّ معاملة الوالد الشّفيق ، وأودعنا لديه ما أودعه اللَّه تعالى لدينا : مملكة مرتفعة متسعة ليرتفع محلَّه ويتّسع أمله ولا يضيق ، وجمعنا له أطرافها لتكون لكلمته العليا بها الاجتماع من غير تفريق . ولما كان الجناب العاليّ ، الولديّ ، الشهابيّ ، سليل الملوك والسلاطين ، خليل أمير المؤمنين ، هو الَّذي تشير رتب الكفالة بترقّيه ، وتقرّ عيون الأولياء بتعيّنه لإلقاء أمرنا المطاع وتلقّيه ، وتلهج الألسنة ضارعة إلى اللَّه تعالى أن يخلَّد ملك بيته الشريف ويبقيه ، وتعرج إلى السّموات دعوات الأتقياء أن يوقّيه اللَّه مما يتقيّه ؛ ونمسك في هذا المقام لسان المقال عن مدحه أدبا ، ونترك الافتخار بالمال والعديد إيثارا لثواب اللَّه وطلبا ، وندرك موعظة اللَّه سبحانه في كتابه قصدا وأربا ؛ والباقيات الصّالحات خير عند ربّك ثوابا وخير عقبا ( 1 ) وببركة هذا القصد يتمّ لنا فيه المراد ، ويعمّ هذه المملكة النفع بهذا الإفراد ، فإنها معهد النصر والفتح ، ومشهد الوفر والمنح ، ومصعد العزّ الَّذي لما وطئنا صرحه تدكدك للعدا كلّ صرح ، وتملَّك للهدى كلّ سرح ، ونشقنا بها لقرب المزار من طيب طيبة ( 2 ) أعظم نفح ، وقد بقينا بجاه الحالّ بها في تيسير التّأييد فكان كاللَّمح ، وجرى خلفنا السّمح بعد ذلك على عادته في الحكم والصّفح ، وسرى ذكرنا في

--> ( 1 ) لضرورة التسجيع خلط بين الآيتين 44 و 46 من سورة الكهف وهما : هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّه الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وخَيْرٌ عُقْباً الْمالُ والْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا والْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وخَيْرٌ أَمَلًا . ( 2 ) طيبة ، بالفتح ثم السكون ، هو اسم لمدينة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم ( انظر معجم البلدان : 4 / 53 ) .