أحمد بن علي القلقشندي
224
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الشّرق والغرب وللحداة به أطرب صدح ، وآتى اللَّه من فضله ملكنا نعما تجلّ عن العدّ والشّرح ، فيها منشأ دولة الدّول ومنها فتح الفتوح ، وبإضافته إلينا تفاؤل خير مشهور ملموح ، كما قيل قبلها كرك نوح ( 1 ) ؛ فبتطهير الأرض من الكفّار ، عزائمنا تغدو وتروح ، وبالاستناد بأطول الأعمار ، أمارة بادية الوضوح ، وآثار بركة الاسم الشّريف المحمّديّ تظهر علينا في الحركات والسّكنات وتلوح ، وفخار هذه المملكة المباركة : لاختصاصها بالحرمين الشّريفين عليها طلاوة وسعادة وفيها روح ؛ وكنّا قد سلكنا بهذا الولد النّبيل ، سنّة أبي الأنبياء إبراهيم الخليل ، في ولده إسماعيل ، عليهما السّلام التامّ في كلّ بكرة وأصيل ، حيث فارقه وأفرده ، وتفقّده في كلّ حين وتعهّده ، حتّى شدّ اللَّه تعالى به عضده ورفع هو وأبوه قواعد البيت وأعانه لمّا شيّده ، فأجمل اللَّه لنا هذا القصد وأحمده ، وكمّل هذا الشّروع وأسعده ؛ وأجزل له من فوائده أوفر هبة وأنجز له من عوائده أصدق عدة ، فأحللناه في هذه المدّة بمملكة الكرك فسلك من حسن السجايا أحسن مسلك ، وملك قلوب الرّعايا وبما وهب من المنح تملك ، وبسنتنا في التواضع للحق مع الخلق تمسك وبشيمنا وخلقنا في الجود تخلَّق فبذل وما أمسك . ولما بلغ أشدّه واستوى ، وبزغ شهاب علاه الَّذي هو وبدر السماء سوا ، وحاز مكارم الأخلاق وحوى ، وفاز سلطاننا في نجابته بحسن النية : « وإنّما لكل امريء ما نوى » - حكَّمناه في هذه النيابة الَّتي ألفها ودرّبها ، وعرف أمورها وجرّبها ، واستعمال خواطر أهلها واستجلبها ، وأدنى لهم لمّا دنا منهم الميامن ولمّا قرّبها منهم قرّبها ، واستحقّ كفالتها واستوجبها ، وأظهر اللَّه تعالى فيه من الشّمائل أنجبها ، ومن الخلائق أرحبها ، ومن الأعراق أطيبها ، ومن العوارف أنسبها ، ومن العواطف أقربها ، ومن البسالة أرهفها وأرهبها ، ومن الجلالة أحبّها
--> ( 1 ) الكرك : قلعة حصينة في طرف الشام من نواحي البلقاء . أما كرك نوح فقرية من قرى بعلبك في البقاع اللبناني ، يزعم أهل تلك النواحي أنّ نوحا عليه السّلام دفن فيها . ( معجم البلدان : 4 / 453 ) .