أحمد بن علي القلقشندي

214

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الحصون بحمائل سيوفه تزان ، ومباسم الثّغور تحمى في كلّ ناحية من أسنّته بلسان ، وحمى الثّغرين وما بينهما من الفجاج ، وجاور البحرين فمنع جانبيهما : فهذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ، وله في العدا وقائع زلزلت لمواقعها الألوف ، ومواقف لولا ما نعقت فيها من غربان البين لطال على الدّيار الوقوف ؛ وهو الَّذي مدحت له في بيتنا المنصور المنصوريّ من الخدمة سوابق ، وحمدت طرائق ، وكثرت محاسن ، وكبرت ميامن ، ولمعت كواكب ، وهمعت سحائب ، وصدحت حمائم ، وفتّحت كمائم ، وعزّت جيوشنا المؤيّدة له بمضارب ، وهزت سيوفا حدادا وهو بالسّيف ضارب . وكان المجلس العالي - أدام اللَّه تعالى نعمته - هو الَّذي حمدت له آثار ، وحسنت أخبار ، وعمّت مدح ، وتمّت منح ؛ فرسمنا [ بإقراره في ] ( 1 ) هذا المنصب الشّريف في محلَّه ، وإعادته إلى صيّب وبله ، وإنامة أهلها مطمئنّين في عدله ، وإقرار عيون من أدرك زمانه بعوده ومن لم يدرك زمانه بما سيرونه من فضله . فرسم بالأمر الشريف - لا زالت ملابس نعمه ، تخلع وتلبس برودها ، وعرائس كرمه ، تفارق ثم تراجع غيدها - أن تفوّض إليه أمور غزّة المحروسة وأعمالها وبلادها ، والتّقدمة على عساكرها وأجنادها ، والحكم في جميع ما هو مضاف إليها من سهل ووعر ، وبرّ وبحر ، وسواحل ومواني ، ومجرى خيول وشواني ( 2 ) ، ومن فيها من أهل عمد ، ورعايا وتجّار وأعيان في بلد ، ومن يتعلق فيها بأسباب ، ويعدّ في صف كتيبة وكتاب . على عادة من تقدّم في ذلك ، وعلى ما كان عليه من المسالك . وسنختصر له الوصايا لأنّه بها بصير ، وقد تقدّم لها على مسامعه تكرير ،

--> ( 1 ) في الأصل « من إقراره في » وفي الطبعة الأميرية صحّحت بصيغة « بإقراره من » . ( 2 ) الشواني : السفن الحربية الكبيرة .