أحمد بن علي القلقشندي
213
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
نحمده بمحامده الَّتي تفوت الدّراريّ في تنضيدها ، وتفوق الدّرّ فيتمنّى منه عقد فريدها ، ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة نافعة لشهيدها ، جامعة لتوحيدها ، ناقعة لأهل الجحود ممّا يورّد الأرض بالدّماء من وريدها ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الَّذي كاثر الأمم بأمّته في عديدها ، وظاهر على أعداء اللَّه بمن يفلّ بأس حديدها ، فيرسل من أسنته نجوما رجوما لمريدها ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه صلاة نتظافر بتأييدها ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإنّ من عوائد دولتنا القاهرة أن تعود بإحسانها ، وتجود بثبوت كلّ قدم في مكانها ؛ وإذا ولَّت عرف سحابها عن جهة عادت إليها ، أو سلبت لها رونقا أعادت بهجته عليها ؛ وكانت البلاد الغزّاويّة وما معها قد تمتّعت من قدماء ملوك ( 1 ) بيتنا الشّريف بسيف مشهور ، وبطل تشام بوارق عزمه في الثّغور ؛ وهو الذي عمّ بصيّبه بلادها سهلا وجبلا ، وعمّر روضها بعدل أغناها أن يسقي طلّ طللا ، وجمع أعمالها برّا وبحرا ، ومنع جانبيها شاما ومصرا ، وألف أهلها منه سيرة لولا ما استأثرنا اللَّه به من سرّه لما أفقدناهم في هذه المدّة حلاوة مذاقها ، وسريرة لا نرضى معها بكفّ الثّريّا إذا بسطت لأخذ ميثاقها ، ولم نرفع يده إلا لأمر قضى اللَّه به لأجل موقوت ، ومضى منه ما يعلم أنه بمرجوعه القريب لا يفوت ، لأنّ الشمس تغيب لتطلع بضوء جديد ، والسّيف يغمد ثم ينتضى فيقدّ القدّ والجيد ، والعيون تسهّد ثم يعاودها الرّقاد ، والماء لو لم يفقد في وقت لما وجد لموقعه برد على الأكباد . فلَّما بلغ الكتاب أجله ، وأخذ حقّه من المسألة ، وانتقل من كان قد استقرّ فيها إلى جوار ربّه الكريم ، وفارق الدّنيا وهو على طاعتنا مقيم - اقتضت آراؤنا الشريفة أن يراجع هذه العقيلة كفؤها القديم ، وترجع هذه الأرض المقدّسة إلى من فارقها وما عهده بذميم . من لم تزل به عقائل المعاقل تصان ، وخصور
--> ( 1 ) في الأصل « ممالك » . والتصحيح من هامش الطبعة الأميرية .