أحمد بن علي القلقشندي
212
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ويغدو بها الحقّ مرفوع العلم ، مسموع الكلم ، ماضي السّيف والقلم ، ممدود الظَّلّ على من بها من أنواع الأمم ، وليأخذ الجيوش الَّتي بها من إعداد الأهبة بما يزيل أعذارهم عن الركوب ، ويزيح عوائقهم عن الوثوب ، ويجعلهم أوّل ملبّ لداعي الجهاد ، وأسرع مجيب لنداء ألسنة السّيوف الحداد ، وينظَّم أيزاكهم ( 1 ) على البحر انتظام النّجوم في أفلاكها ، والشّذور في أسلاكها ، فلا تلوح للأعداء طريدة إلا طردت ، ولا قطعة إلا قطعت ، ولا غراب إلا حصّت قوادمه ( 2 ) ، ولا شامخ عمارة إلا وأتيح له من اللَّهاذم ( 3 ) هادمه ، وليعل منار الشّرع الشّريف بإمضاء أحكامه ، ومعاضدة حكَّامه ، والانقياد إلى أوامره ، والوقوف مع موارد نهيهه ومصادره ، ولتكن وطأته على أهل العناد مشتدّة ، معرفته تضع الأشياء مواضعها : فلا تضع الحدّة موضع اللَّين ولا اللَّين موضع الحدّة ، وليعلم أنّه وإن بعد عن أبوابنا العالية مخصوص منّا بمزيّة قربه ، مختصّ بمنزلة إخلاصه الَّتي أصبح فيها على بيّنة من ربّه ؛ وجميع ما يذكر من الوصايا فهو مما يحكى من صفاته الحسنة ، وأدواته الَّتي ما برحت الأقلام في وصف كمالها فصيحة الألسنة ؛ وملاكها تقوى اللَّه وهي في خصائصه كلمة إجماع ، وحلية أبصار وأسماع ؛ واللَّه تعالى يعلي قدره وقد فعل ، ويؤيّده في القول والعمل ؛ والاعتماد . . . وهذه نسخة تقليد بتقدمة العسكر بغزّة المحروسة : الحمد للَّه مبديء النّعم ومعيدها ، ومؤكَّد أسبابها بتجديدها ، ومعلي أقدارها بمزايا مزيدها ، الذي زيّن أعناق الممالك من السّيوف بتقليدها ، وبيّن من ميامنه ما ردّت إليه بمقاليدها .
--> ( 1 ) الأيزاك هي الطلائع . مفردها : يزك . ( انظر التعريف بمصطلحات صبح الأعشى : 364 ) . ( 2 ) حصّ الشعر والريش : حلقه ونتفه . والقوادم للطير هي الريشات الكبار في الجناح . ( 3 ) اللَّهذم : كل شيء قاطع من سنان أو سيف أو ناب .